الرئيسية / مقالات / الواهمون ..

الواهمون ..

📝.. السيد موسى الخضراوي

تحيّرت كثيرا في فهم فلسفة الازدواجية في التعامل بين الناس حتى حسبت أني أضعت البوصلة .

سأذكر بعض الشواهد للإيضاح ..

كنت متواجدا مع أحد تجار العقار في القطيف يوما ما فجاءته مجموعة من الناس ، فاستقبلهم وضيفهم ، وأكرمهم إكرامًا بلا حدود ، وبأعلى درجات الذوق ؛ وعندما خرجوا لم يدع في أجسادهم شحما ولا لحما ولا عظما ولا شعرا إلا أكله . وحسبت ذلك موقفا شخصيا ثم تبين لي أن هذه الحالة يفعلها مع العشرات أو مع جل الناس . ورأيت من رجل أعمال معروف مثل ذلك أيضا حيث يزن الناس بأموالهم ويقيمهم بالمثاقيل . فعلمت أن بعض الرأسماليين لا قيم لهم ، ولا أخلاق ، ولا آداب ، وأن قلوبهم خلاف وجوههم .

وكنت ذات مرة مع أحد أرباب الفكر وكبار طلبة العلوم الدينية في القطيف فسألته عن أحد رجالات العلم في المنطقة فقال : إنه بلا دين وضرب على عنقه بذلك ، وبعدها بثلاثة أيام رأيت صورا له وهو يزوره في منزله ليهنأه بالعيد . كما أني سمعت من طالب آخر ما يدمي القلب حول بعض الأشخاص ؛ ولكني وجدته يفرش قلبه سجادة لهم ويعاملهم كورود الجنة عندما رآهم . تحيّرت في فهم فلسفة الفعل وعلمت أن النفاق أدنى مسمياته .

وكنت مع أحد أصحاب المآتم في مجلسه ذات يوم ، وكنت أتحدث معه عن حسن أخلاق صديقه الذي كان معنا قبل قليل وهو رجل صالح ؛ فشتمه وقدح في أمه وشرفه ونال منه نيلا عظيما وبلا توقف ، وقد كان يجله قبل دقائق . علمت بعدها أن الشيطان لم ينافق الصالحين كما يفعل هذا الرجل .

وعلى هذه النماذج فقس الكثير ، وخاصة من الجهلاء أو الحمقى …

نحن لا ننفي أبدا أن المداراة والمجاملة نصف العقل ، ولكن لا يكون ذلك حين تنقلب القيم رأسا على عقب ومع العديد من الناس .

لا يخلو أحد منا من البوح لخواصه وصفوته بتحفظاته ؛ ولكن لا يكون ذلك التحفظ على الناس قاطبة وبتجاوزات غير موضوعية .

عزيزي …

حين تكون وجهة نظرك في شخص ما سلبية ، أو رمادية ، أو لا تميل إليه ، أو تكرهه فلا تقدسه أمامه وتجعله سيد قلبك وأمير زمانه ، ثم تجعله شيطان زمانه وحقير دهره بعد لحظات من خروجه . لأنك بذلك جسدت صفات المنافقين الكاملة الخالصة وبأعلى الدرجات .

عزيزي …

دع وجهك ، ولسانك ، وتعاملك مرآة لقلبك وضميرك الحقيقي فحسب ، ودع الخلق للخالق .

تقديسك للناس في وجوههم ، وتسقيطهم في ظهورهم ؛ يعكس سوادا في قلبك لو ألقي على الشمس لأطفأها .

إن ابتسامة الأفاعي ليست خافية على الورد الأحمر حتى لو لم يصرح بها .

لا تتوهم – ولو للحظات – أن ما في قلبك من مشاعر سلبية أو إيجابية أو خلجات تخفى على قلوب الآخرين .

للقلوب لغة أدق ، وأصدق وأوقع من كل الكلمات ومن كل السلوكيات المصطنعة .

كل أنواع السلوك قد تخون أو تشتبه أو تكذب ؛ أما لغة الإحساس والشعور فتعكس الواقع الحقيقي للقلوب كما هو .

طبعا ؛ ماذكرناه لا يحكي الحالة السائدة في المجتمع ، ولا يعتبر ذلك ظاهرة عامة ؛ ولكنه يسلط الضوء على نافذة ينبغي أن تغلق ، أو تحجم ، أو تُقرأ بعناية . فضلا عن أن الشواهد المذكورة أعلاه لا تعكس أخلاق الفئة التي تمثلها مطلقا وبأية حال ، وماهي إلا حالات يسيرة فردية لكن أخطارها فادحة .

📝 السيد موسى الخضراوي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open