الرئيسية / مقالات / التربية بالحب

التربية بالحب

السيد موسى الخضراوي

تلعب التربية دورا محوريا في سلوك الأبناء في المجتمعات بشكل عام ، غير أن نسبتها في الأسر مختلفة تبعا لعدة عوامل فسيولوجية ، واجتماعية ، وتعليمية مكتسبة ، ودينية ، فضلا عن الطريقة المتبعة في ذلك .

بما أن الأسرة هي اللبنة الأساس للعنصر البشري بشكل عام ؛ اعتنى الإسلام بها وأعطاها أهمية خاصة ودعا لحفظها ، وسلامتها ، وجعل سنناً وواجبات خاصة للتعامل معها .

إن الآداب والذوقيات التي ندب إليها الإسلام في الأسرة – حتى لو لم تكن بنحو الوجوب العيني – هي إضاءات تنير الحياة بأسرها .

الأسرة تتكون من والدين كريمين وأبنائهما . والوالدان أشبه بالشمس والقمر والأولاد هم نجوم الكون . بلا شك : إن دور الشمس والقمر في الكون كله بلا حدود ، وفي كل الأزمنة والأمكنة والظروف ، وهذا الدور للشمس والقمر لا يمكن للكون أن يستقر بدونه أبدا وبأية حال .

وعليه ؛ فإن للوالدين دورا كبيرا في تقويم سلوك ذريتهما ، وتهذيبه ، وتطويره ، وتنميته من مرحلة لأخرى بما يتوافق مع أخلاق السماء ، ورسالة البشرية .

إن الأسر الطيبة المتحابة المتآلفة تنتج ذرية طيبة في أغلب الأحيان ، والعكس صحيح ؛ وما شذوذ أحد الأبناء عن أبويه إلا نادرا . قال المصطفى ص ( بروا آباءكم تبركم أبناؤكم ) ، وعليه فالبر يورث برا ، والعقوق يورث عقوقا وعلى ذلك فقس الكثير .

إن الوعي الثقافي والعلمي الذي يحمله الوالدان ينصب على تربية الأبناء بشكل لا نظير له ؛ فالوالدان الواعيان يدركان حجم المسؤولية المناطة بهما تربويا ، ويدركان أبعادها التامة ، ويسعيان للقيام بذلك على أكمل وجه ، باذلين كل غال ونفيس للوصول إلى أعلى مقاييس التربية الفاضلة .

الأبناء يقتدون بآبائهم تلقائيا وبشكل عملي منذ الطفولة . لذلك فالأب الصالح المؤمن لا يحتاج للكثير من الجهد حين يوجه أبناءه للسلوك الأخلاقي الراقي أو العبادة الفاضلة ، على خلاف الأبوين غير المهتمين بالدِّين والفضيلة فهما يجدان صعوبة بالغة في إقناع الأبناء بالتحلي بالأخلاق الحسنة لأن فاقد الشي لا يعطيه . جسدوا الأخلاق الحسنة سلوكيا ستجدوا أبناءكم يقتفون آثاركم دون مشقة تذكر إلا ما ندر .

ومن ذلك مثلا ؛ حين يهتم الوالدان بتلاوة القرآن الكريم ، وتعلم كيفية الصلاة وأحكامها ، وتناول فضائل آل محمد ؛ فمن الطبيعي أن تكون الثمرة هنا حسن التربية وجمال السلوك وطهارة القلب . أما الوالدان العاشقان للرقص ، والطرب ، والخوض في مغامرات الرذيلة ، واللذان لا يستنكفان من الكذب والنفاق والمعصية ؛ فإنهما سيكونان كشجرة الزقوم طلعها كأنه رؤوس الشياطين .

وبمعنى أوضح : إن الولد الذي يجد والده صادقا وأمينا وخلوقا وهادئا ومتعلما ؛ سيكون – من الطبيعي – متحليا ولو ببعض صفاته ، خلاف الابن الذي ينام على كذب والده ، ويصحو على تدليسه ، ويحيا يومه على الصراخ والجهل والطيش والسفه .

إن خروج ما يخالف العادة في الحالين المذكورين وارد ولكنه بشكل شاذ ، ولا بد له من عوامل مساعدة في أغلب الأحوال . وإن كانت درجة التأثر في الأبناء داخل الأسرة متفاوتة تبعا لعوامل متعددة منها المجتمع ، والأصدقاء ، والتعليم ، والثقافة ، والوراثة ، والملكات النفسية ، والمرونة ، والوعي ، والعمر ، والدين .

للوالدين حقوق وواجبات وعليهما مثل ذلك . ومن الواجبات عليهما حسن التربية ، ولن تكون التربية حسنة إلا إذا توافرت في الأسرة أخلاق الإسلام ، وقيم السماء ، وغرست بذورها منذ الطفولة وسقيت حتى تنمو لتصبح خمائل مزهرة يفوح عبقها في كل مكان .

إن صلاح الأسرة يعني صلاح المجتمع وفسادها يعني سقوطه في مستنقع لا فكاك منه .

وعليه ؛ فإن دور الوالدين في غرس أخلاق الكمال وصفات الجمال البشرية أساسي وضروري جدا ؛ لأنه المحك الذي سيكون عليه الأبناء في مستقبل الإيام ، والذي سيتحول إلى سلوك المجتمع تلقائيا .

حتى لو كان هناك انحراف أو تعدٍّ على الخطوط الحمراء في المجتمع الذي تسوده الأسر الفاضلة ؛ يبقى المجتمع ساميا ، وراقيا ، وقابلا لبلوغ المجد بخلاف المجتمع الهش الذي لا يجعل للفضيلة مكانا ، ولا يضع الرذيلة موضعها المناسب .

اختاروا لنطفكم النصف الآخر المناسب الذي يحمل جينات وراثية عالية وأصيلة لأن العرق دساس ، واسعوا للارتقاء بما تفضل الله به عليكم بكل الوسائل ، ثم اغرسوا بسلوككم ما بلغتموه من علوم ومعارف وقراءات وثقافات واعتقادات وأخلاق سامية في أبنائكم لبنة لبنة و مرحلة مرحلة وبما يتماشى مع الاختلاف الزماني لمستقبل الحياة .

أبناؤكم أمانة في أعناقكم ؛ فإن أحسنتم لهم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم لهم أسأتم لأنفسكم .

تحلّوا بالآداب السماوية ، وجسدوها عمليا ، وأحيوا الفضائل ، ورسخوا الكمالات ، ووجهوا أبناءكم على ذلك معزِّزين ومتابعين ومباركين وشاكرين وداعين ؛ تبلغوا بأولادكم مراحل سامية وتنشئوا ذرية طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء .

وخلاصة القول : إن أجمل التربية هي التربية بالحب الطاهر المتدفق والمنظم ، وحسب احتياج الظرف والمرحلة ، والمتوافق مع هدى الإسلام وآداب السماء . وهل الدين إلا الحب ؟! . فما بالك بالتربية ؟! . إن خلق أسرة يسودها الحب والابتسامة والكلمة الطيبة يعني تكوين أسرة متينة وفاضلة بكل المقاييس . ورد في الأثر ( خيرُ ما ورّث الآباءُ الأبناءَ الأدب ) ، والأدب مفهوم شامل ومطاطي يتجذر في كل سلوك بشري جميل .فضلا عن أن الإسلام جعل مبدأ الثواب والعقاب التربوي الجميل المقنن سنة حسنة ، ووضع له معايير خاصة ، وأبجديات ومراحل لو طبقها الناس كما ينبغي لأصبح الناس ملائكة تمشي على الأرض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open