الرئيسية / مقالات / الإمام الحسين صفحة إنسانية مشرقة

الإمام الحسين صفحة إنسانية مشرقة

السيد فاضل علوي آل درويش

و لكأن الصوت الحسين الحسيني النابض بصوت الإصلاح و الدعوة إلى مدرسة قيم العدالة و النزاهة الفردية و المجتمعية من قذارة الفواحش و المنكرات بدعا من أصوات الصلاح الممتدة بامتداد البشرية ، أفلم تكن خلاصة رسالة الأنبياء و الصالحين في أقوامهم ترتكز على أمرين مهمين : دعوة التوحيد و تقويم الانحراف العقائدي ، و الأمر الآخر هو صياغة الشخصية الإنسانية وفق القيم الأخلاقية المزكية للنفس و معتقتها من أغلال الذل للشهوات .
و رسالة الإمام الحسين (ع) كانت عين ما دعا إليه الأنبياء من قيم الإصلاح و الدعوة إلى إقرار العدالة الاجتماعية ، فكما حطم جده المصطفى (ص) أصنام الوثنية و الشرك بالله تعالى و أوثان الفساد و المفاسد الأخلاقية ، فكذلك سار السبط الشهيد (ع) في رسالته الإنسانية الخالدة ، فالأهداف الحسينية تتلخص في احترام كرامة الإنسان و حقوقه و التخلص من ربقة الظلم و الاستبداد و الاستعباد لأصنام الهوى و الفرعونية المتمردة ، و هذا مما يؤكد على نبل تلك القيم الحسينية و جعلها مهوى أفئدة الأحرار عبر الأجيال و على مستوى مختلف الأديان ، فلم يكن الحسين (ع) في رمزيته للتفاني و التضحية و الشجاعة في المواقف و صوت العدالة إلا صرخة خالدة تعظمها كل الرسالات السماوية .
فالقيم الحسينية محور توحد و تلاحم و تقارب فكري و جامع أخلاقي يوحد مختلف الاتجاهات و التيارات ، فعصارة القيم الإنسانية الخالدة الناظرة للشخصية القوية و الفاعلة في وجودها و تحركها تنبع مما تحمله من قيم تدعو إلى احترام وجود الإنسان و نبذ كل أشكال استعباده و حرمانه من حقوق الرقي و التقدم ، و لذا فإن الدعوة إلى مقارعة الاستبداد و الجور بكافة أشكالها تلقى القبول و الترحاب و التبني من كل النفوس الأبية الحرة ، و التي لا تقر و لا تقبل بحالات حرمان أحد من حقوقه و الاستظلال بمظلة العدالة الاجتماعية .
فالإمام الحسين (ع) كان واضح الأهداف و الخطى و لم تتعد الإطار الإنساني و إقرار و تطبيق العدالة و إعطاء الحقوق ، و وقف ذاك الزحف الكبير نحو هيمنة الاستبداد و الاستخفاف بالقيم و حقوق الناس و كرامتهم ، فالكرامة و العزة الإنسانية التي منحها الباري لعباده تعني الحفاظ على حقوقهم المادية و المعنوية و انعتاقهم من كافة أغلال العبودية و المهانة لأحد ، فالظلم و استعباد الناس ناشيء من هوى و شهوات الإنسان الجائر ، و لابد لأصحاب النفوس الأبية و المتحررة من ربقة المصالح الضيقة أن تقف بوجهه مستنكرة الانحراف عن بوصلة الحرية و الكرامة .
الأمة في عهد الإمام الحسين (ع) كانت تعاني من آفات و ظواهر سلبية على المستوى الديني و الاقتصادي و الإنساني ، و مجموعة هذه الأزمات تحتاج إلى معالجة و مواجهة هادئة و حكيمة من همم لا يسكن لها قرار و لا تتهرب من مواجهة الموقف الصعب ، و هذا بالضبط ما كان من سبط رسول الله (ص) و الذي قيض الله تعالى له أن يكمل مسيرة الإصلاح المحمدي و توعية الناس بمجريات الأمور و التنبيه على مخاطر الظلم و الاستبداد ، و ما هم عليه من ضعف الإرادة و الخلود إلى الاستمتاع بالمشتهيات مع إهمالهم لروح الإسلام و قيمه ، و لا يليق بالإنسان المسلم الاستكانة إلى الظلم و الاستبداد و تبديد الثروات و مقدرات الأمة ، فالإصلاح الحسيني يعمل على مواجهة حالات و ظواهر الانحراف و الانزلاق نحو الانحلال و التفلت الأخلاقي و تجاوز كل القيم و الأعراف .
لقد قدم الإمام الحسين (ع) و أصحابه مشهدا فريدا من التضحية و التفاني و الهمم العالية و الإرادة القوية في أحلك الظروف و الحكمة في اتخاذ القرار في واقع بالغ التعقيد و التداخلات ؛ ليكونوا نبراسا و قبس هداية و توجيه في مسار حياتنا و تشكيل مفردات قراراتنا و تصوراتنا للأمور ، فالحسينيون السائرون على خط أبي الأحرار تجدهم متحملين لمسئولياتهم فلا يتهربون من مواجهة الاستحقاقات ، و لا يستنكفون من مواجهة المواقف بكل شجاعة و اقتدار ، لا يأبهون من لغة التهديد و الترهيب و لا تفت من عزائمهم لغة الترغيب و الحرب الناعمة التي تدغدغ المشاعر و تحرك المصالح الضيقة ، فكما أن الإمام الحسين (ع) و أصحابه ذابوا في الإسلام و قيمه ، فلم يكن لهم هم و سعي إلا إبقاء راية مضامينه و تعاليمه عالية في سماء القيم و تهذيب النفس كذلك هم الأحرار في كل زمان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open