الرئيسية / مقالات / ملحمة الخلود و الانتصار

ملحمة الخلود و الانتصار

📝..السيد فاضل علوي آل درويش

ما عسانا أن نقول و نحن نتحدث عن العظماء ممن عمروا الدنيا بمواقفهم النبيلة و الإنسانية المشرقة ، إذ يحتاج خط اليراع لفكر يحيط بشيء من معرفتهم الحقة و أنى لنا و ذلك ، و لكنه نقش على جدارية الخلود الحسينية التي أنتجت تأثيرا على مدى الزمان ، بل و أخذ الفكر الإنساني القيمي منحى المباديء الحسينية كالحرية و الكرامة و العزة و الإباء و الاستقامة ، فكان (ع) قبلة الأحرار السائرين في خطى الكمال و الطهارة النفسية ، حديث يتعلق بمن عانق سماء العلياء و الأمجاد بما أفرزته و نجم عنها من نتائج أيام قليلة من حياته ، فكيف بمن غار أسبار شخصيته و سيرته طوال سنين سطر فيها ملاحم التقوى و الفضيلة ، بل نحن أمام تجسيد المقامات العالية من التضحية و الشجاعة في مشهد لا نظير له ، فقد خلف الإمام الحسين (ع) كل شيء في سبيل رفعة الدين و صونه من التحريف و الانزلاق نحو الانسلاخ من قيمه و مضامينه .

و لقد كانت كلماته و مواقفه (ع) خير شاهد و إثبات على تمثل الروح و التعاليم المحمدية في ما تبناه من مباديء ، فإن كان جده المصطفى سعى لتخليص الناس من براثن صنمية الشرك و الانحلال الخلقي و الفساد ، فكذلك كانت منهجية سبطه الشهيد و الذي حطم صنمية العبودية و الاستبداد و الانسلاخ عن القيم الإنسانية المشرقة ، و لذا نرى ذاك التفاعل و التأثر بالنهضة الحسينية المجيدة بادية من كل من قرأها بتمعن و وعي ، فيطلع على الأهداف التي جعلت السبط الشهيد يرفع راية الإصلاح و مواجهة كل ما اعترى الأمة من أمراض و آفات روحية و أخلاقية و مظاهر فساد ، غيرت المشهد الإيماني الذي كان عليه المؤمنون في زمن رسول الله (ص) ، فإن النفس البشرية بجبلتها تحب حالة الطهارة النفسية و الحرية و التخلص من ربقة الأغلال الذاتية و الخارجية .

لقد كانت للإمام الحسين (ع) بصيرة واضحة بما تعانيه الأمة من ضعف الإرادة بعد أن أشربت قلوبهم حب الدنيا و زينتها ، و ما أصيب به الناس من حالات انحراف و فساد مستشر مستطير أخذ يضرب مفاصل حياتهم و علاقاتهم ، فحادوا عن الصراط الذي خطه الرسول الأكرم (ص) و القيم الداعية إلى الورع و الاستقامة و النزاهة عن مساويء الأفعال و الموبقات كشرب الخمور و رقص الغانيات الذي عاد يخيم كما كان في العصر الجاهلي ، فبعد أن كانت قبلة الناس رضوان الله تعالى و الخوف منه أضحى الحاكم و المسيطر على تصرفات الناس هي الأهواء المتفلتة و الانغماس في الشهوات ، فهل كان الإمام الحسين (ع) الأمين على القيم المحمدية يسعه السكوت عن كل هذا التحول و الانحراف ، فلا يقيم راية الإصلاح و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فينتشل الأمة من براثن الاستبداد و الاستعباد ؟!

و من خلال الكلمات التي نطق بها الإمام الحسين (ع) منذ بداية تحركه و حتى اللحظات الآخيرة قبل استشهاده ، و كذلك ما نطق به أهل بيته و أصحابه و ما ارتجزوه من شعر كلها تمثل أسس التحرك نحو التغيير و الإصلاح في المجتمع ، و ذلك باستنهاض الهمم لمواجهة كل تلك المظاهر المخالفة للشريعة الغراء و مبادئها ، فليس من المقبول و المستساغ أن يبقى المسلمون بتلك الحالة من المهانة و الخنوع و تقبل الواقع المرير بلا حراك أو رفض .

إن يوم عاشوراء سطر ملاحم الفداء و التضحية في سبيل رفعة الدين ، بما يمثل إشعاعا مضيئا في سماء الحرية و العزة لن تزول آثاره مع مرور الزمن ، بل يزداد ألقا و حضورا و تفاعلا مع القيم الحسينية ، و غدت نهجا يسير عليه الأحرار عبر الأجيال المتلاحقة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open