الرئيسية / مقالات / الألق و الكرامة

الألق و الكرامة

السيد فاضل علوي آل درويش

ورد عن الإمام العسكري (ع) : من كان الورع سجيته ، و الإفضال حليته ، انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه )( بحار الأنوار ج ٧٥ ص ٣٧٧ ) .
الهدف من التربية القرآنية و رسالة الأنبياء و المصلحين هي صياغة الشخصية الإنسانية وفق معايير السمو و الرفعة الفكرية و السلوكية و الاجتماعية ، بحيث تجعل من تكامل النفس و ترفعها عن الموبقات و مواطن الزلل هي الغاية التي يسعى إليها المرء حثيثا طوال حياته ، و ما التشريعات و العبادات إلا مواطن قوة تكسبه نزاهة النفس بمجانبة الانزلاق في وحل النزوات ، فطريق القوة النفسية و الهمة العالية هو ما يسعفه في الانطلاق في هذا المضمار بكل قوة و اقتدار و النهوض من العثرات .
هذا التكامل و جني المكتسبات من الصفات الحميدة و التخلي عن الرذائل هو ما يقربه إلى الله تعالى ، فتلك النفحة الربانية بالعناية الخاصة به تنال من يسير في مسلك التنمية الإيمانية و تحصيل مضامينها ، و كذلك من جهة المرء ذاته فإن مصدر الرضا الإيجابي عن نفسه و بواعث السعادة هو رؤية نفسه خالية من آفات الأهواء و أمراض القلب الأخلاقية ، و من جهة ثالثة فإن أعين حاسديه الذين يكنون له الكراهية و يتمنون رؤيته ساقطا في مطب تقصير أو خطيئة تخرس ألسنة الحقد عندهم ، و ذلك لما يتناثر من طيب عبق جمال روحه و أخلاقه و تعامله الطيب مع الجميع .
الصفة الأولى التي يشير لها الإمام العسكري (ع) و تعد مقوما مهما و رئيسيا من مقومات السمو الروحي عنده هي صفة الورع ، فماذا يراد من هذه الخلة و تأثيرها على مسار الإنسان و مكنونات نفسه ؟
الورع هو توقي المرء للمحرمات و مساقط الذنوب و موارد المعاصي مما يسخط الله تعالى عليه ، فالنفس تعيش حالة من الصراع بين مسار الخير و الشر ، فمتى ما غلب عقله و إرادته في اتخاذ خطواته و قراراته فإنه يحفظ نفسه من مسببات الآثام ، فما يدعو للمعصية و ارتكاب الآثام هي النفس الأمارة بالسوء و تسويلاتها الداعية لفعل الخطيئة ، و تهذيب النفس و تزكيتها من الرذائل هو الطريق إلى تقوية الجبهة الداخلية في الإنسان و توعية ضميره لتجنب ما يجره نحو الزلات ، و أما الإنسان غير الورع فلا يخاف الله تعالى و لا يمتلك رادعا و وازعا نفسيا يمنعه من تجاوز المحرمات ، فيستجيب لتفلتات غرائزه و يقتحم المحظورات دون تفكير في عواقبها .
و السجية هي الفعل السهل المستمر الصادر من المرء بدون تكلف أو رغبة في مصالح يحققها ، فالسجية الصالحة الداعية لتوقي المحرمات ( الورع ) تدفع المرء نحو التحرز الذاتي و محاسبة النفس حينما تقع هفوة و غفلة في شراك التزيين الشيطاني .
و السمة الأخرى للشخصية السامية في علياء التكامل هي الإفضال ، بمعنى التفضل و الإحسان و تقديم كل ألوان المعونة و صنع المعروف للآخرين ، إذ يتخلص المرء من أغلال تأليه الذات و روح الأنانية و ينعتق من تبلد الوجدان تجاه آلام و حاجات الغير ، فيهرع لنجدة و إسعاف المحتاجين بما أمكنه لخفف عن الغير همه و مشكلته ، و الإفضال لا يحتاج إلى مؤونة كبيرة فالابتسامة و الكلمة الطيبة و التحية تجلب المحبة و الألفة و الثقة بين أفراد المجتمع و هذا من أهم أهداف و قيم الإسلام ، إذ الأخلاق الفاضلة و المشاعر النبيلة تخلق حالة من الانسجام و التوافق المجتمعي .
و كما أن المرأة تتحلى بزينة الذهب لتعد من مظاهر الأناقة و الجمال ، فإن الحلية الروحية هي الأخلاق الفاضلة التي تعبر عن نفوس نقية لا تحمل مشاعر النكران و التجاهل للآخرين فضلا عن الكراهية ، و هي من موجبات المقبولية و المحبوبية في الأوساط الاجتماعية ، فإن النفوس تألف و تنجذب لمن يبدد القلق و المخاوف من قلوبهم و لو بابتسامته .
و النتيجة التي تتجلى لمن يتمتع بهاتين الخلتين : الورع و النزاهة النفسية عن دواعي النزوات من جهة ، و الأخلاق الفاضلة التي تنثر الثقة و الاحترام بين الناس ، هي مكانة اجتماعية تحمد فيها سيرته بين الناس و يذكرونه بالثناء الجميل على ما يصدر منه من نزاهة و خلق رفيع ، و كفى بذلك واقيا و مانعا من حراب أهل العداوة و الفتن الذين يفتشون عن العثرات و الزلات ليفشوها في المجتمع بغرض التسقيط الاجتماعي ، فإن محاولاتهم بالتأكيد تبوء بالقشل و الخيبة مع من كانت نفسه نقية من أغلال الكراهيات و الشهوات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open