الرئيسية / مقالات / “سلسلة كتاب في مقالة” أئمة السحر

“سلسلة كتاب في مقالة” أئمة السحر

رضي الحصار

 سلسلة كتاب في مقالة

2019 …. 12

● اسم الكتاب : أئمة وسحرة

● المؤلف : إبراهيم محمود

● الناشر : دار رؤية – مصر

● الطبعة : الأولى – 2018

● عدد الصفحات : 274

النزوع إلى الحقيقة غريزة فطرية ؛ ولذا كان الكذب مستقبحا عند العقلاء لكونه مخالفا للفطرة البشرية السليمة . ومنشأ التوثيق عند البشر في مجالات حياتهم المختلفة يكاد يلامس هذا العنصرالفطري للبقاء عليه سليما من أيدي العابثين . ومن أجلى مصاديق التوثيق للإبقاء على الحقيقة هو التسجيل للوقائع والأحداث التاريخية ؛ ولذا حرصت الأمم الحضارية منذ أوائل نشأتها في المحافظة على جانب التوثيق في الوقائق بالكتابة على الرخام أو الصفائح أو غيرها في إشارة إلى بناء مدينة أو معبد أو سنة اعتلاء العرش لملك أو ذكر انتصارات الحروب وماشاكلها مما تهتم بتدوينه الأمم الحضارية ، إلى أن آنت صيرورة الزمن بانبلاج ” علم التاريخ ” الذي وضع لتسجيل وقائع العصور والدهور والأيام ؛ لأجل المحافظة على صدق الأحداث والوقائع التي تنقل للأجيال بعد الأجيال . غير أن الواقع البشري هو بخلاف الأمنيات يكون مخالفا لها ، فنجد أن الأنفس الشيطانية عبر القرون والأزمان قديما وحديثا ومستقبلا لا عمل لها سوى تزوير الحقائق بتزوير الوثائق ، فكان الجهد الجهيد للدارسين في تخليص هذا الشوائب من تلك الحقائق حتى يتسنى لكل قارئ أن يعرف حقيقة الأحداث والوقائق كما هي لا كما يريدها الوضاعون المزورون . هذا الكتاب ( أئمة وسحرة ) يأتي في هذا السياق كدراسة لشخصيتين من شخصيات ما عرف لدى الدارسين في التقسيم بالعصر الإسلامي المبكر ، فماذا قدمت هذه الدراسة من جديد وماذا قدم مؤلفها الباحث إبراهيم محمود من نتائج ؟

إن خارطة طريق فهم منهج المؤلف الذي اتبعه في فكرة وتصوره العام لهذا الكتاب هي هذه العبارة القصيرة من مقدمة كتابه ، والتي يقول فيها :” … إن كل تصور تاريخي ، ومصنف تاريخي ، وحضور تاريخي ، تصور مغيب لتاريخ آخر غير مرغوب فيه ، ومصنف جرى استبعاده ، أو تهميش قيمته ، وغياب تاريخي لحقيقة أخرى ، هي تاريخية على أقل تقدير .”
ويقول أيضا :” نسأل بداية : كيف تعامل المؤرخ الإسلامي القديم مع البيئة السابقة على الإسلام في إطارها التاريخي ؟ ومن ثم : كيف نستطيع التعامل مع منظومته الفكرية المتعلقة بهذه المرحلة ؟
لعل الذي يجدر ذكره بداية ، هو أن المؤرخ الإسلامي أراد أن يؤرخ للفترة التي سبقت الإسلام ، ولبيئتها عبر التصورات التي صاغها من خلال ثقافته الإسلامية ..”!

جعل المؤلف الكتاب في موضوعين وحول شخصيتين لا ثالث لهما . الموضوع الأول بحث فيه عن مسيلمة الحنفي الذي اشتهر بين المؤرخين بمسيلمة الكذاب ، وأما الشخصية الأخرى فهي عبدالله بن سبأ . وسوف نستعرض فيما يلي ملخص الدراسة وأهم النتائج التي خرج بها بحث المؤلف في التاريخ عنهما ، فعلى بركة الله نبدأ بالشخصية الأولى .

● مسيلمة الحنفي ( الكذاب ) .

قدم المؤلف كتابه بفصل عنونه “بالتاريخ والبيئة” محصتله أن التاريخ الذي ولد في بيئة عربية قبلية ، وهدفه أن يؤرخ لعهد جديد في تاريخ العرب متدثرا بلباس الدين الجديد ” الإسلام ” جعل من المؤرخ ينحاز في كتابته لهذه التاريخ برفع قبيلة هنا وتسقيط قبيلة هناك ، وهو القاعدة التي سيؤسس عليها المؤلف دراسته ، بأن هذا التاريخ المدون أو بعبارة أخرى المدونة التاريخية التي قدمت لنا تاريخ ظهور الإسلام وانتشاره بحاجة إلى دراسة وتفكيك رواياته ؛ بتقديم قراءة جديدة لما بين السطور والروايات التاريخية بحثا عن التاريخ المغيب الذي تنسجم روايته مع العقل ؛ ولذا عبر المؤلف في مدخل تطبيقي لهذا التصور وهذا الهدف بعنونة الفصل الثاني ب” مسيلمة الكذاب أكثر من شخصية في شخص واحد . يقول المؤلف :” عملنا هو الجمع بين ما كتب عن ” مسيلمة الكذاب ” ومن ثم إثارة الأفكار التي تشكل الحصيلة الطبيعية لقراءتنا التمعنية الاستكشافية في المكتوب عنها “.

نشأ مسيلمة في أرض اليمامة ، وهي أرض قديمة كانت منازل”طسم وجديس ” من العرب العاربة . كانت كثيرة المياه وغنية بانتاج الحنطة التي كانت تسمى ببيضاء اليمامة . كما كانت منطقة عبور للقوافل التجارية ؛ ولذا تأثرت بالديانتين اليهودية والنصرانية . في هذه البيئة نشأ مسيلمة بن حبيب الحنفي والذي عرف بين قومه والعرب ب”رحمان اليمامة “!. كانت بداية أمره في قريته هدار فلما اشتهر كاتبه بنوحنيفة ثم استجلبوه وأنزلوه حجرا ، فكان منجما وكاهنا ومن أصحاب الزجر . ويلمح المؤلف هاهنا إلى أن ملامح ظهور العبادة التوحيدية قد ظهرت بعد الميلاد في جنوب الجزيرة متمثلة في عبادة المعبود ( رحمنن ) أي الرحمن ، فهل جاءت تسمية مسيلمة برحمان اليمامة لأنه كان أحد الداعين إلى عبادته ؟ هذا ما يتوقف عنده المؤلف ! . ومن جهة أخرى يثير المؤلف أسئلة لا يقدم لها أجوبة كإثارته بسؤال حول صلة قبيلة ” بنوحنيفة ” بدين النبي إبراهيم ” الحنيفية ” فهل جاءت التسمية بسبب انتماء القبيلة لهذا الدين ، وبالتالي يكون مسيلمة الحنفي منسوبا لهذا الدين ؟ ، ويوسع المؤلف الإثارة بأن قبيلة بنوحنيفة كانوا من أشد الرافضين للدعوة الإسلامية لما يرونه بأسبقية مسيلمة بدعوته . ويرى المؤلف أن رفض القبائل لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله كان يستند إلى وعي سياسي برفض الذوبان في قبيلة أخرى هي قريش .

عقد المؤلف فصلا ليستقرئ صورة شخصية مسيلمة عند المؤرخين القدامى والمؤرخين المحدثين ، بل حتى المستشرقين ممن كتب عنه دراسة أو كتابا ، يقول المؤلف :” .. هدفنا هو معرفة كيفية رسم شخصيته ، وكيف تم إخراجها تاريخيا ، وتمت مخاطبة التاريخ ، ومخاطبتنا نحن في العبرة المستخلصة منها . ” . يبدأ المؤلف مع ابن هشام في كتابه ” السيرة النبوية” الذي يشير إلى أن مسيلمة راسل النبي صلى الله عليه وآله ، فرد عليه النبي بكتاب وسم فيه مسيلمة بالكذاب ، ومن هذا الكتاب يعلم أن وسم مسيلمة بالكذاب ليس من وضع المؤرخين – طبعا – إن صحت الراواية . ويعقب المؤلف بذكر الطبري ويعنون فصله ب” مسيلمة : الشخصية المتناقضة في مرويات الطبري ” ثم يخرج بصورة كاريكاتورية لمسيلمة عند الطبري، ويقف متعجبا ومتسائلا : أهذا هو حقا الشخص الذي زلزل أركان الدولة الإسلامية الفتية ! في إشارة إلى قصته مع سجاح التميمية التي يرجعها المؤلف إلى أنها كانت نصرانية ، وأنها رأست قومها وتحالفت مع مسليمة للوقوف في وجه الدعوة الدعوة الإسلامية ؛ حيث أن ما كان تحت يد مسيلمة من جيش قرابة الأربعين ألف فارس . وأما المؤرخ اليعقوبي فيقدم معلومات جديدة لشخصية مسيلمة وهي أنه معمر حين قتل ، فقد كان عمره يومئذ ابن مائة وخمسين سنة ! وأنه أسلم ثم تنبأ ( وافتتن الناس به ) على حد تعبير ابن سعد في الطبقات . وأما ابن خلدون فما بارح ما ذكره من سبقه ، وخرج المؤلف بهذه الخلاصة :” .. الذي يبدو واضحا أنهم جميعا شكلوا جبهة فكرية متراصة ومتحركة في جعل كل ما قام به مسيلمة لا عقلانيا في التاريخ “.

تناول المؤلف في الشق الثاني صورة مسيلمة في مرويات المؤرخ الإسلامي الحديث والمعاصر . بدأ أول ما بدأ بالمؤرخ الموسوعي العراقي صاحب كتاب ” المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ” الدكتور جواد علي ، فأعقبه بالدكتور سعيد عاشور وكتابه ” أضواء على حركة الردة في صدر الإسلام ” ، ثم كتاب ” تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي ” للدكتور حسن إبراهيم حسن ، وغيرهم فما زادت المؤلف إلا قناعة أن الدراسات المعاصرة لازالت حبيسة ومأسورة للمؤرخين القدامى فلا ثمرة تذكر لهم في الخروج بدراسة تفكيكية تحليلية منصفة وتتبع القواعد الرصينة في البحث التاريخي العلمي ، إلا بعض المحاولات ولو باستحياء في تفكيك المدونة التاريخية كأمثال الدكتور الجابري الذي يظل أكثر تقدما من سواه في كتابه ” العقل السياسي العربي ” . وفي نظر المؤلف أن المستشرق ” بارتولد ” في دراسته المعنونة ب( مسيلمة الكذاب ) هو أكثر الكتاب المعاصرين الذين قاربوا شخصية مسيلمة وسبق بذلك الكثير من المؤرخين المسلمين .

■ عبدالله بن سبأ ■

المحور الثاني من الكتاب هو دراسة خصصها المؤلف لدراسة عبدالله بن سبأ” الذي يشكل لدى المؤرخ الإسلامي موضوعا منتهيا منه ، وأن أي إثارة له بشكل آخر هو إساءة للتاريخ كله ” !على حد تعبير المؤلف في مقدمة الدراسة .

استعرض المؤلف الآراء حول حقيقة عبدالله بن سبأ كشخصية تاريخية أم أنها شخصية مختلقة دارت حولها الشبهات بالوضع كشخصية أسطورية تلبس البطولات في واقعة وفي أماكن عدة كالمدينة والشام ومصر ، حتى ليقف القارئ لهذه الشخصية مندهشا ومتعجبا في قدراتها في التواجد في الأحداث المفصلية والمؤثرة لمسيرة المجتمع الإسلامي . بل إن المؤلف يسلم أن من تأثيراته أن صار له امتداد في فرقة عرفت باسمه هي ” السبئية ” فكانت الوعاء الذي حافظ على أفكاره ، والمنسكبة في فرق أخرى ، حتى بلغ في تصويره وعلى حيازة صفة ( الرمز ) .

■ تقييم الكتاب …..

الكتاب شيق في عرضه وإسلوبه وفي نتائجه أيضا ، خصوصا بشأن مسيلمة الكذاب الذي اعتنى المؤلف بدراسته دراسة غير تقليدية للخروج بنتائج غير تقليدية أيضا ، فكانت مصادره متنوعة قديمة وحديثة معاصرة ، غير ان الأمر يختلف وتكاد تعحب أنه يقف منحازا في قصور مصادره في دراسته لعبدالله بن سبأ على المصادر التقليدية القديمة التي كتبت بنفس غير موضوعي ، بل وافترائي عند الإدعاء بأن كان لعبدالله بن سبأ تأثير في ظهور بعض العقائد عند الشيعة ، ونلحظ هاهنا سقوط المؤلف في وحل العاطفة والثقافة الجمعية حتى تنسيه الذهاب إلى مصادر متنوعة من جميع الطوائف الإسلامية وليس الاقتصار على مصادر إسلامية هي في حقيقتها كتبت بنفس طائفي ، فأين ذهب التنظير للموضوعية العلمية المنادى بها في دراسة مسيلمة؟
الكثير من الكتاب المحدثين يصدعون رأسك بادعاء الموضوعية والبحث عن الحقيقة الضائعة ، غير أن هذه الموضوعية تذوب مع أول رشفة في قوة الصباح الطائفية .

رضي الحصار

2019/11/1 1441/3/4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open