الرئيسية / مقالات / و انتصرت

و انتصرت

📝..السيد فاضل علوي آل درويش

الخلوة مع النفس و تأمل ما يقع منا من تصرفات هو بداية الطريق لحفظها من السقوط في هاوية الخطايا و الآثام و العيوب ، فزحام الدنيا و مشاغلها يأخذ المرء بعيدا عن تفحص أفعاله و التدقيق فيها تجنبا للوقوع في حفر الدنيا و مواطن الزلل فيها .

كثيرا ما نبحث عن تحقيق انتصار وهمي نستشعر معه الإحساس بالقوة و الغلبة و قهر إرادة الغير ، و نتيه في دروب الحياة فنظنه قد تحقق الوعد برفع صوت أو شتم أو سخرية أو تكبر و تعال على الغير ، و نرتد بالخيبة مقهورين بإحساس الضعف الداخلي .

السبب في ذلك هو الجهة الخاطئة التي نصوب حركة قدراتنا باتجاهها فنبوء بالخسران ، إذ الوجهة الحقيقية تكمن في دواخلنا و ليس بعيدا عنا نفتش عنها هنا و هناك ، إنها أقرب شيء إلينا يتمرد و تكثر طلباته فنجري خلفه مهرولين دون وعي أو إدراك لعواقب هذا السير التخبطي ، فالنفس كالفرس الجامحة تخبط بنا خبط عشواء ما لم نلجمها بلجام التعقل و الحذر من الخطى التهورية و الانفعالية ، فخير سعي نتحرك من خلاله هو تهذيب أنفسنا و تنزيهها من النزوات التي تنزلق بنا نحو هاوية السقوط ، فالاستجابة المستمرة للرغبات و الأهواء ليس لها من نتيجة إلا الهزيمة النفسية و فقدان احترامنا لذواتنا ، فالشعور بالصغر و العجز نتيجة مؤكدة لأسر و أغلال الشهوات فنحكم على أنفسنا بالسقوط و الخسارة قبل أن نبدأ أي جولة صراع في الحياة ، و الانتصار الحقيقي هو الدفع بالنفس نحو علياء التحرر من قيود الشهوات، و القدرة على التقدم و الامتناع نتيجة لما يتصوره من آثار مستقبلية لفعله ، فلا معنى للعلاقة القربية من الله تعالى و ممارسة العبادات إلا بمجاهدة الأهواء و التحرر من قيودها ، و لا سعادة بلذة لحظية تعقبها الحسرة الممتدة ، بل هي القدرة على الامتناع عما يسبب له عطبا و ضررا ينحدر به ، فخور الإرادة و سهولة استتباع نفسه للشهوة هو وسمة عار على المخلوق المكرم ، فمن أحب أن يوسم بالشجاعة و القوة فلينظر لمن تحلوا بالخلق الرفيع و سمت نفوسهم عن دناءة الحقد و الغرور ، أفليس من الانتصار تجنب التشفي و الانتقام ، و القدرة على العفو عمن ظلمك و أساء لك ، فتغلب عليك سمة التسامح ؟!

و مما يعين الإنسان على مجاهدة الأهواء هو إحاطة نفسه بأخيار يزينون له الخير و الصلاح ، و يأخذون بيده إن سقط يوما أو أخطأ لينصحوه و يوجهوه ، فصديق السوء و صاحب النفس الشريرة لن يدعو يوما إلا لسبل الانحطاط و العدوان .
و الزم محراب المناجاة و الإقرار بين يدي الجليل تنتصر على أهواء نفسك ، فتأمل عظم جنايتك و خطير ما اقترفت يوم تقف على دكة الحساب و الجزاء في عرصات يوم القيامة .

و ليكن من جهاد الأهواء نصيب للجم اللسان عن سيء القول و فحشه ، فالحكمة لا يتلقفها من نهش بأنيابه أعراض الناس ، و انصرف عن إنضاج فكره بمدارسة المعارف الحقة و تحريك اللسان بها ؛ لينشغل بالغيبة و النميمة و تتبع عثرات الآخرين و التفتيش عنها .

و من داوم محاسبة النفس و مراقبة نتاج جوارحه انعش قلبه و حرك دورته التصويبية نحو الحق و الفضيلة ، فحقيقة الأمراض الأخلاقية و الآفات الاجتماعية لا تظهر أعراضها لمن أصيب بالغفلة و عمى البصيرة ، فجهاد النفس عملية تربوية و تدريبية مستمرة تحفظها عن مقاربة الأخطاء و ارتكابها و تحولها مستقبلا لسلوك مترسخ فيها .

الحياة في حقيقتها ليست إلا ميدان صراع بين إرادتنا و ما حولنا من طيف البلاء ، و اختيار طريق الخير أو الشر ليس بتسلط من أحد علينا أو قهر لعزائمنا ، و حتى الشيطان الرجيم الذي نرمي عليه أخطاءنا كشماعة تشفي غرورنا و عزتنا بالإثم ، ليس له من أثر سوى التزيين و الإغراء للسير في طريق الخطايا ، و متى ما كانت إرادتنا قوية بعقل رشيد و سلوك يتم عبر خطوات منظورة العواقب فستتبخر فقاعات غوايته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open