الرئيسية / مقالات / “وجوه لا تنسى” الحاج مهدي آل محسن من أولئك الكادحين

“وجوه لا تنسى” الحاج مهدي آل محسن من أولئك الكادحين

📝..حسن محمد آل ناصر

لم تكن طفولتنا مثل طفولة هذا الزمان، فكنا لا نملك المعلومات التي يمتلكها الطفل الصغير الآن، كان كل شيء نراه أو نسمعه يعتبر من العجائب، ولكن الحمد لله كان جيلنا يحمل وعياً للتواصل واحتضاناً للمكوث أكبر من الآن في خضم وسائل التواصل واحداثيات العالم الغريب “العصر الحديث”
كنا اطفالاً شغفنا شغف أي طفل من “زمن الجيل الجميل” يلجأ للطرقات متجولاً بدراجته الهوائية “سيكل 24 ياباني سان استيل” للتجول والذهاب إلى سوق مياس “السكة” أو كما يحلو للغير تسميته سوق القطيف المركزي أو القديم ، في هذا السوق تباع المواد الغذائية والملابس بأنواعها والخردوات والالعاب، كانت الدنيا لا تسعنا من الفرح حينما نصل السوق ونشتري لنا سراويل أو بلايز “فوانيل”، وعندما نهم بالخروج فلدينا طريق نسلكه حيث يعتبر الشارع الاسهل للوصول “للقديح” عندئذ نرى على اليمين اصحاب سيارات الأجرة “تاكسي الدمام” وفي الجانب الأيسر مجموعة رجال مفتولي العضلات ما بين الكهولة والشيخوخة يطلق عليهم “شلة العاصفة” وكل واحد منهم له قصة لكسب لقمة العيش.

كنت انظر لهم ولملامحهم وارتدائهم الشماغ الذي يميزهم عن غيرهم من المهن “زقرتيه” يفترشون اوراق الكرتون متجسدين الارض ينتظر كل منهم في الطابور بسيارته “قلاب” “استيك” “داتسون” “وانيت أبو رفرف” لتحميل بضاعة، اما مواد غذائية أو اسمنت أو رمل أو غيرها من مواد البناء ولا تقتصر على هذا فقط ولكن حمل وتركيب وتوصيل كل شيء.

وذات يومٍ وانا انظر لهم قام رجل صلب الجسد معتدل القامة متوجها نحو امرأة طاعنة بالسن قد احدودب ظهرها من الهرم، اقترب منها لم اعلم ماذا قال لها حينها كل ما اذكره أنه اخذها بسيارته إلى اين لا ادري، بكل تأكيد أوصلها المكان الذي تريد، ولكن ما ادهشني حينها ان دوره الذي ينتظره منذ مدة للتحميل قد حان لكنه ذهب معها، ترك قوت يومه وعياله وراح يساعد دون أن يفكر في الأجرة التي سيخسرها ،نعم كان ذو خلق عظيم ونبل عالي.

هو الحاج مهدي بن احمد ناصر آل محسن، ولد سنة ١٣٧٣/٧/١هـ في القديح لأبوين كريمين ربياه على حب العمل والاعتماد على النفس، إذ إنه عمل في بداية حياته “حمالي” والحمالة من المهن الصعبة والشاقة، فالحمالون يقبضون ثمنا زهيداً، وبعد حداثة التجديد وابتعاد الناس عن القاري(عربة بعجلات)، اشترى له سيارة “قلاب” ورغم الحداثة لم يكن يستغني الحمال عن ظهره ويداه فمرة بالسيارة ومرة يصارع الثقل في زقاق الفريق “زرانيق” من الصباح حتى المساء حاملا اكياس الاسمنت والرمل ووو… للبيت الذي لا يتسنى للسيارة الوصول إليه.

“أبا صالح” من أهالي القديح الحبيبة من الرجال المكافحين لحياة كريمة طول مدة حياته، كان صبورا مجاهدا يمارس المهنة لكسب الرزق الحلال ينقل بضائع الناس دون تذمر تعلوه الضحكة والبشاشة، دائما يمازحني حينما اهم لمساعدته قائلا: أنت وين وشيل الحمل وين!!. حاملا على اكتافه قلة التمر أو الصناديق الخشبية أو القوارير المملوءة بالكيروسين “الكاز”.
لم يكن “أبو صالح” ثري أو عالم دين أو من مشاهير التواصل الاجتماعي ولا رجل اعمال ولا مدير في وزارة حكومية أو شركة أهلية، لا..! كل ما يملكه حب الناس والمساعدة دون مقابل، أنه من ذاك “الجيل الجميل” لم تغره التكنولوجيا والمكيفات كان يقود سيارته مكتفيا بهواء مروحة تعلق على “الطبلون” يتمتم مع الراديو “مذياع” واشرطة كاست بمسجل خارجي يسمع فيه قصائد حسينية ومحاضرات دينية.

لم يكن يقرأ ولا يكتب “أمي” ولكن اشتهر بحفظ ابيات حسينية وإلقاءها بصوت شجي نعيا على الحسين وأهل البيت عليهم السلام تراه في غالبية مجالس القراءة في القديح وغيرها يحب الجلوس بالحسينيات والمآتم العامرة بالعزاء، فكان في بعض الاحيان ينعي ابياتا على مصيبة الحسين عليه السلام فوق المنبر أو عند مدفن أحد المؤمنين في المقبرة فيقف ليشدو هناك فيثير الشجون وتنهمر مدامع العيون كما يشارك في أحياء شعائر مناسبات آل بيت النبوة عليهم السلام.

في كل زيارة لأمي لبيتهم ومرافقتي لها كانت تستقبلنا هناك شخصية بكل الود وحرارة الحب والاحتضان، انها أمه رحمها الله، ما زلت اذكر حنانها الدفاق ويداها الناعمتان تمسح على وجهي قائلة: اللهم صل على محمد وآل محمد… وتكرر مرارا هذه الصلوات، وعيناها الدامعة تترقب مكوث رأسي على حجرها الطاهر.

“أبا صالح” عرف عنه صلة الرحم ودائما وأبدا يعايد ويزور اقربائه، توفي في١٤٣٧/٣/١٧هـ فرحمك الله أيها الإنسان الراقي بإنسانيتك وروحك ومشاعرك الطيبة.

3 تعليقات

  1. جعفر علي الصفار

    الله يرحمك يا أبوصالح

  2. صالح الحميدي ابومحمد

    رحمه الله رحمة الأبرار وحشره مع محمد واله الاطهار صلوات الله عليهم اجمعين وأسأل الله سبحانه وتعالى له ولموتانا ولموتى المؤمنين والمؤمنات المغفرة والرحمة ورحم الله من يقرأ لهم الفاتحة

  3. علي علوي سلمان الخضراوي ( ابوالسيدمحمد)

    الله يرحمه برحمته ويدخله فسيح من جنته. ونعم الرجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open