الرئيسية / مقالات / طغيان النوازع النفسية

طغيان النوازع النفسية

📝..السيد فاضل علوي آل درويش

(حكمة من الإمام العسكري ) :
ورد عن الإمام العسكري (ع) : ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبةٌ تُذلّه )( تحف العقول ص ٤٨٩ ) .

ما أروعه من درس تربوي و تهذيبي للنفس يشير له الإمام العسكري (ع) ، يكشف من خلاله نقطة ضعف و مسار ينزلق فيه المؤمن نحو طريق الهاوية ، فهناك حقيقة مهمة يغفل عنها كثير ممن ينقلب نحو البهيمية الصرفة أي السير خلف الشهوات و تحصيلها في مشهد لا يفارق فيه بقية الحيوانات التي تحركها غرائزها ، ألا و هي أنه مخلوق مكرم بعقله و له مطلق الحرية في الاختيار بحيث لا يتعدى خط ما يحدق به من أخطار و أضرار ، فأعظم نعمة يستصبح بها غياهب و دياجير دروب الحياة الصعبة هي هدي عقله و قوة إرادته ، فلماذا يتخلى بكل سهولة عن هذا الفخر و العماد لحياته و يستبدله بقيادة الغرائز المتفلتة التي تقوده في النهاية المؤسفة إلى الانسلاخ عن عزته ؟

و عفة المؤمن عن الشهوات وسام شرف و تاج علياء يثبت بها تمسكه بإنسانيته و قيادة عقله الحكيم ، إذ أن ضعفاء العقل ينظرون للنزوات و اللذات اللحظية كمبتغى و غاية يلهث من خلفها ، دون أن ينظر إلى النتائج المترتبة عليها و ما تورثه من حسرات و مندمة ، فبقطع النظر عن آثارها الأخروية التي توقعه في أسوأ العقوبات و أشد العذاب ، فإن لها في الدنيا من الآثار السلبية ما لا يدركه إلا كل حر كريم يأبى حياة العبودية و أغلال الأسر ، إذ السائر خلف شهواته لا يملك إرادة الامتناع عن تحصيلها و تناولها ، و كفى بذلك خزيا و مهانة يأباها كل شريف يعتز بإن يأباها .

و بالطبع فإن الحديث لا يتحدث عن لذات المعصية فالمؤمن منزه عنها ، و لكن الرغبات الطاغية ترسم مسارا يتجه به شيئا فشيئا نحو المعصية ، فحب النفس و الرغبة في تبوئها للمكانة العلمية أو الاجتماعية العالية ينطوي على مخاطر الرغبات كالغرور و الأنانية و مشاعر الكراهية تجاه المنافسين ، و الرغبة في توفير مستلزمات الحياة الكريمة قد يتجه به نحو الطمع و التولع بالمظاهر الدنيوية ( زهرتها و زخرفها ) ، و هكذا بالنسبة لبقية رغبات الإنسانية ( النوازع النفسية ) و التي هي المحرك للسلوك و الوجدان ، فالرغبة – بحد ذاتها – أمر إيجابي بل و محرك كمالي للإنسان ، و لكن ما أشير إليه في هذه الحكمة هو التنبه من الآمال المتطاولة و رغبات النفس التي لا تشبع و لا تقنع ، فليكن المؤمن في حالة توازن في طلب معاشه و مسيره الدنيوي مع حاجاته الروحية و المعنوية ، فإن المؤمن متى ما كان في حالة قناعة و رضا بالتقدير الإلهي لم يتحسر على حظ فاته ، و لم تتعلق نفسه برغبة تحصيلها ينطوي على إذلاله و تخليه عن كرامته .

فالحديث لا ينهى و لا يطلب من المرء الامتناع عن تلبية رغباته و تطلعاته ، فهذا خلاف الفطرة الإنسانية القائمة على سعي الإنسان لتحقيق طوره الإنمائي و التكاملي ، و لكن المنهي عنه هو تحول تلك الرغبات لنقطة ضعف تشغل فكره فلا يلتفت إلى يوم معاده و ما يعده في صحيفة أعماله ، فيخرج عن طور التوازن و يندفع نحو تحصيل كل لذة و كأنه يعيش في الدنيا الفانية مخلدا ، أو يلامس خطه الإيماني فتنازعه نفسه نحو تلك الرغبة و إن انطوى تحصيلها على بعض المخالفات ، و ما يحفظ المؤمن من انزلاقات الرغبات هو الحفاظ على كرامته و ورعه عن المحارم .

فانظر – يا رعاك الله – إلى من أخذته فتنة حب الدنيا و مظاهرها فتوسع و تشعب في طلباته ، فكأنه يسعى إلى تحصيل كل شيء في المقابل ينسى نفسه من حظوظها الأخروية ، فهو غير مستعد لبذل جزء بسيط من وقته لتلاوة القرآن الكريم أو المناجاة أو الصدقة ، بينما يستنفذ جل وقته في اللعب الكثير أو الحديث و النقاشات قليلة الفائدة في المجالس ، و يدفع لشهوة بطنه ما لا يدفع عشرا منه كصدقة !!
فما تقول في سيرة العظماء الذين لم تقدهم نفوسهم العالية نحو عمارة الدنيا و اللهث خلف شهواتها ، بل تلحفوا بالقناعة في كل شيء فنالوا خير الدنيا و الآخرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open