الرئيسية / مقالات / وجوه لا تنسى الحاج أحمد الجارودي “رجل تحدى اليتم بالتجارة”

وجوه لا تنسى الحاج أحمد الجارودي “رجل تحدى اليتم بالتجارة”

حسن محمد آل ناصر

يؤلمني حديث الذاكرة حين اسبر في محيطه فمن يعيش تلك اللحظات في الماضي عليه أن يتصور ذلك الزمان كالحكايات لآنها قصص اجتماعية عشناها وعاشتنا بكل حب وود أخذت منا واعطتنا، لا تزال عالقة في مخيلتي تلك الإضاءات للمحلات “الدكاكين” بعد الغروب، يا لها من ايام اتمنى ان تعود ولو بالشكوى “أين طفولتي البريئة؟!”.

من هذه المحلات محلا مشهورا بالقديح في “الفريق الغربي” منذ كنا صغارا، حينما يقودك احتياجك لأي شيء “بمعنى المعنى” واكرر أي شيء تجده هناك، في هذا الدكان الصغير المتواضع، يطل على زقاق “زرنوق” بالكاد تسير فيه سيارة صغيرة، قريب منطقة يطلق عليها “الغميري” وهو نخل مشهور.

قبل اسبوع من عودة الطلاب للمدارس يومها كنت بالابتدائية يصحبني والدي حفظه الله إلى هذا المحل الذي يحوي جميع حاجات الأسرة وغيرها، تقع عيناك على طاولة مستطيلة يعرض فوقها مجموعة سلع منوعة ومختلفة الاحجام عشوائيا الترتيب، وفي جانب آخر نوافذ عرض زجاجية مملؤة بالخردوات والسلع الصغيرة ما بين ملابس واحذية ولوازم مدرسية وقرطاسية، وفي جانب آخر جدار معلق عليه أرفف منظمة عليها ألعاب اطفال وعطورات وانواع من الصابون والشامبو، وعند الباب مواد نجارة وسباكة وسلاسل واقفال ودراجات صغيرة هوائية للأطفال “سياكل”.

وقبل كل هذا يستقبلك رجل قصير القامة معتدل الجسد حنطي ملتحي يمسك بيده قرآنا أو كتابا، يجلس في زاوية جانبية من المحل خلفه جدار معلق عليه الحبال وقرطاس البالونات وآية الكرسي مخطوطة بأنامل فنان، ومحاط من اليسار بصناديق المسامير وبعض “الدوافير” و”الشولات” والفوانيس” واجهزة التسجيل مختلفة الاشكال”، عندئذ يباشر احتضان الوالد ويداعبني بنكته وابتسامة مرحه قد توعدتها منه.

أنه “دكان الجارودي” الغني عن التعريف فاغلب سكان القديح وما حولها من القرى يعرفونه، لأنه المتجر الوحيد المتكامل وقتها لمتطلبات الناس، اعتقد بأن هذا الجيل لا يدرك هذا المكان الصغير المربع الذي حوى برائحة أرفه وادراجه الخشبية رائحة طفولتنا وحنيننا الخاص للماضي.

“أبا علي” الحاج أحمد حبيب الجارودي (رحمه الله) الرجل العصامي الذي بنى نفسه بنفسه معتمدا على الله في تكوين تجارته، ولد بالقديح سنة 1354هـ تقريبا لأب متوفي وهو في بطن امه بأربعة شهور، شاء القدر بأن تموت امه وهو يبلغ من العمر خمسة سنين وعاش يتيم الابوين، تعهده بالتربية والعناية أخواله الحاج علي الهليل والحاج ابراهيم الهليل فقد كانوا له خير عون متكفلين به.

لم بلغ سن الرابعة عشر التحق بشركة الزيت العربية الأمريكية “ارامكو السعودية” بالظهران، أكمل دراسته متخذا دبلوم تمريض مع عدد يسير من الدورات التدريبية ولظروف قاهرة استقال منها متجها للتجارة، ففي البداية فتح بقالة صغيرة وتدريجيا تطور حتى اصبح من تجار أهل بلده.

تزوج ثلاثة زيجات وملك بيتان متجاوران وورث ابناءه التجارة وأن يكن فيهم اربعة من موظفي الحكومة إلا انهم لم يكملوا واحبوا التجارة على العمل الوظيفي، توفي في سنه 1421هـ اثر جلطة نقل على اثرها مستشفى القطيف المركزي وفارق الحياة هناك، فرحمك الله يا أبا علي رحمة الأبرار، فأنت من ذلك الجيل الذي كل ما مشينا امامهم قابلونا بالضحكة وفي ايديهم الهدايا.

تعليق واحد

  1. احسنتم ابا محمد
    رحمه الله رحمة الأبرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open