الرئيسية / مقالات / الندم طوق النجاة

الندم طوق النجاة

📝..السيد فاضل علوي آل درويش

ورد عن رسول الله (ص) : ( الندم توبة )( تحف العقول ص ٥٦ ).

طريق الرجوع إلى الله تعالى بعد ارتكاب المعصية و الإحساس بقبح ما أقدم عليه العبد هو التوبة الحقيقية ، فمتى ما استذكر تلك الصورة ومرت في خياله كمقطع مرئي اشمأز وأحس بالحزن الشديد على التفريط والانسياق خلف شهواته ، هذا الشعور بألم و فداحة الفعل هو ما نسميه بالندم الحقيقي على ما فات .

استحضار الإحساس بالندم لتحقق التوبة النصوح شرط مهم وبدونه تتحول تلك الانعطافة والضيق النفسي من مقارفة الذنب ، إلى صحوة مؤقتة سرعان ما تزول ويعاود المرء ما كان عليه من خطايا ، وذلك أن لذة النزوة و ممازجتها لفكره و وجدانه تحتاج إلى عملية إزالية جذرية لا سطحية ، ومجرد البكاء و الحسرة المتولدة من حضور جنازة عزيز أو استماع موعظة عن الموت لا يعد العلة التامة للتوبة ، بل لابد من حالة الاعتراف و الإقرار بسوء الحال والمآل جراء اتباع النزوات و الغفلة عن صوت الحق و الحكمة ، فينتقل به شعوره اليقظ إلى تأنيب الضمير و مخاطبة النفس بعد الخلوة بها ، مستذكرا الصورة الأخروية لمتبوأ العصاة في نار جهنم و ما يواجهونه من ويلات العذاب الأليم ، هكذا تستقر في النفس صورة الندم الحقيقي فيتألم إن تذكرها أثناء دعائه ومناجاته ، ويعقد العزم على تجنب كل ما يسبب تلوث نفسه و يقربه من المعصية .

و ليس الندم تلك الحالة المرضية التي يجتر معها العاصي ألم الذنب فيتحول إلى كابوس يلاحقه ، وتصبح عقدة نقص تؤرقه و تفقده الأمل و يحيق به اليأس ، بل هي تذكرة و تنبيه و درس يستفيده من أخطاء فاتت لا ينبغي الوقوع فيها مجددا ، فصاحب العقل الواعي يقهر الغفلة باستلهام العبر من الحفر التي وقع فيها ، فيستذكر المزالق و العثرات التي تشكل عوامل السقوط و الاتجاه نحو هاوية الآثام و المنكرات ، فما فات من أخطائه أوساخ غسلها بماء الندم على الوقوع في مواضع سخط الله تعالى ، هذه هي قواعد التوبة النصوح التي ترسخ في نفسه الأوبة إلى أحضان المغفرة الإلهية فتعاف لذة النزوات ، و يراها ببصيرة يقظة نارا تدعوه للسقوط في أتونها فيستعيذ بالله تعالى و يذكر عظمته .

الندم على اقتراف المعصية إعلان وإقرار بقطع العلائق بأسباب المعصية و السير في طريق الاستجابة السريعة و التهافت على المآثم ، فمن تراه يصر على ارتكاب المعصية ويعكف على ولوج مداخلها لا يتحقق منه ذلك لو ندم ندما حقيقيا ، فذرف دموع الأسى على وقوعه في فخاخ الأهواء وميول النفس الأمارة بالسوء ، حينئذ تقوى إرادته و يهزم كل تزين و تجمل لصورة الشهوات المحرمة ، فاعترافه بالذنب يحدث صورة قبيحة له في ذهنه ، إذ في ساعة الوقوف بين يدي المولى الجليل تنكسر نفسه وتعلن افتقارها لرحمته وعفوه قبل معاينة الآثار الأخروي للذنوب .

الندم انكسار للقلب و تخل عن حالة الأنفة والعزة بالآثام ، فمتى ما تواضع العبد للحق و استشعر عظيم ما جناه في حق المنعم المتفضل ، تخلص حينئذ من سكرة النزوات و انفتحت بصيرته على حقائق الحياة والعمر وما بعد الرحيل ، فاستحسن الصالحات وذكر الله تعالى واستقبح كل موضع يبعده عن رحمة الله تعالى .

والندم الحقيقي ألم يستشعره العبد التائب كلما وخزه ضميره و أنبه على مقارفة المعصية فيتخلى عنها ، ويقلع مستقبلا عن معاودة ارتكاب الندم و إن تجددت دواعيه و مزيناته ، وليس هناك من محفز للنفس للندم الإيجابي كاستحضار ما يحمله يوم القيامة من أثقال يحتطبها على ظهره ولا يقوى على السير بها ، ويخاف من مشهد يحضر كل الشهود في محكمة العدل الإلهي لينطقوا بكل ذنب أصر عليه و لم يندم عليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open