الرئيسية / مقالات / المرأة ودورها بين النكران والعرفان

المرأة ودورها بين النكران والعرفان

ابراهيم الزين

على الرغم من أننا نعيش عصر الإنفتاح والوعي ، وما يزخر به من علم وتحضر واستنارة في شتى المعارف والثقافات، وانفتاح على مختلف الحضارات، لايزال البعض يظن أن المرأة ماهي إلا حاجة من حاجاته التي تحتويها سلة رغابته الشخصيه ، وكمالياته الدنيوية ، في حين أن هذه الإنسانة الرائعة تشكل القلب النابض للحياة ، وبدونها تفتقد هذه الحياة قوامها وكمالها وجمالها ومعناها الحقيقي .

فلا الرجل ولا الأسرة ولا القبيلة ، ولا حتى المجتمعات بأسرها وعلى اختلافها يمكن أن تستغني عن وجود الأنثى ، النصف الآخر لثنائية الوجود الأزلية ، وعلى اختلاف تكوينها وأجناسها .

نظل نحن في جنسنا الآدمي متحيرون من بعض فئاته الممعنة في تهميش المرأة ودورها الأصيل الذي خلقت من أجله ، فهي الأم والإبنة والأخت والزوجة والسكن والوطن لنا جميعاً في كل أنفاسها وأحاسيسها ومواقفها المختلفة ، في مجتمعٍ غائب بعضه أصلاً عن فهم حقيقة وجودها ، وانغلق على نفسه ، وحكم ولازال يحكم عليها بحكم الجاهلية الأولى ، حيث ما فتىء البعض قلوا أم كثروا يعتبرونها وللأسف وسيلة لا غاية ، فما هي إلا وعاء ، وهدف لقضاء وطرهم ، وخادمة تحت أرجلهم ، دون مراعاة لمشاعرها الفياضة بالرقة والحنان والحب والجمال والأنوثة الرقيقة والمشاعر المرهفة والبنية الناعمة نعومة الورود ، حين خلقها الله عز وجل بهذه الصفات والصورة التي هي عليها مجسدة الكمالات التي ينشدها المرء ليضعها في عينيه ووسط حناياه ، ولكن أرادها هذا الجاهل لقدرها أن تكون جارية تحت أمره وطوع إرادته واتباع أوامره والإنتهاء بنواهيه ، متخذناً من رجولته الغبية وقاء ، ومن غلظته التعسفية حُكْماً وقضاء .

وقد كُتب عليها أن تقضي حكم المؤبد تحت هذه السلطنة المتخلفة ، مكتوفة الأيدي بلا حولٍ ولا قوة ولا قدرة على الإنتفاضة لنيل حقوقها ، والذي ربما عرفتها ، ولكن ما ألفته من أعراف وتلقته من مواعظ مغلوطة ، وقضته في تربية ساذجة ، ظنته هو الحقيقة المطلقة خاصة حين يصدر من ولي أمرهاً فأستسلمت لذلك طائعة ، ثم سلمت نفسها لحياة أخرى أكثر صرامة وشدة ، وإن كان بعضهن قد علمن بشكل أو بآخر لاحقاً أن هذه ليست هي الحياة المأمولة ، في أن تكون شريكة ، لا أن تقع في شراك المهانة وبراثن الظلم ، ولكن بعد أن فات الآوان وأصبحت ملزمة بأن تهتم بأولادها وأرستها ومراعاة مسؤولياتها ، بدل هدم كل ذلك ، وخسارة كل شيء.

هذا الإستنتاج لا يعني أبداً عدم وجود نماذج من النساء نقف لهن بإجلال وإعجاب ، ممن أستطعن أن يصبحن قدوة لغيرهن ، ويخلدهن التاريخ ، باعتزاز لمواقفهن اللافتة وتاريخهم الناصع على مختلف الصعد ، ولا يزال البعض منهن يسطرن الصفحات تفرداً بالمثالية الحقيقية التي يجب أن تكون عليها حياتها ورسالتها .

كما لا ننكر هنا الغالبية من الرجال الذين ينصفون المرأة إنصافاً عادلاً وينزلونها منازل التقدير والإجلال ، ويقدمون لها أنفسهم وقلوبهم على أكف الفخر والإعتزاز ، فضلاً عن المحبة الصادقة تقديراً لها ولمكانتها وما تمثله وما تبذله وتؤثره على نفسها احتسابا عند الله ، وهؤلاء هم فعلاً من يكملون الثنائية التي ينشدها جنسنا الآدمي .

ولكن يبقى هناك من المتوارث ما لم يتغير ، ولم يستطع أحد تغييره ، وإن انتفض عليه البعض من الجنسين .
والشواهد عليه كثيرة أمامنا، فلا يزال هنا وهناك من لا يكترث بمسؤولياته ، ابتداء من عائلته وعلى رأسها زوجته أمّ وِلدِه ، حين تكون آخر اهتماماته ، يقضي جل وقته خارج منزله مع شلله وأصحابه صباح مساء ، متجاهلاً تلبية حاجاتهم العاطفية والشخصية والنفسية ، ومتناسياً دوره كأب في تربية ومتابعة وتهذيب أبناءه ، ولربما يعيش معه والديه أو أحدهما فيطالهما التقصير واللامبالاة ، وتلك هي الطامة كبرى .
وكيف يفعل وينتبه ويعي وقد رمى حمل المسؤولية على غيره مكتفياً معهم بالنوم والأكل والشرب كيفما اتفق ، فلا هم له سوى اللهو والإستمتاع واشباع بطنه وما شابه من الإشباعات ، وهو يظن أن هذه هي الرجولة ، بل ويتأفف حين يذكره أحد أو ينصحه بالإلتفات لأسرته ورحمه ، متهكما ومزدرياً ذلك حيث يظن أن الرجل ليس ذلك الذي يجلس مع النساء والأطفال مهما كانت قرابتهم منه ، وكأن الجلوس مع زوجته عار يعاب عليه .

فلا غرابة أن يضيع الأبناء ، وتعيش الأم حياة البؤس ، وتتفكك الأسرة بل معظم الأسر التي ابتليت بأمثاله ، ويفلت الأبناء لتحتضنهم الشوارع ويتلقفهم أصحاب السوء ، فيسوء حال المجتمع ، بل مختلف المجتمعات المماثلة ، ليتشاركوا فيما يمعن في تردي الحياة الإنسانية الفاضلة المنشودة.

متى يعي هذه النوع من البشر دوره ومسؤولياته تجاه نفسه وأسرته ، ويقوم بواجباته التي نصت عليها كل النواميس والقواميس والأعراف ، فضلاً عن تكوينه الفطري ؟ ، ومتى يعي دور المرأة في حياته ، ليعطيها حقها ويضعها في مكانها الطبيعي ، ويلتفت لذويه ومن يعيل ؟.
ومتى يعلم أن هذه هي مملكته التي يجب أن يحكمها بعدل وإنصاف وقوامة حقه ، وأن ما يلهيه عنها ما هو سوى عبث وضياع ، ربما يعود عليه بالوبال ، فقد يحتاج من يقف معه فلا يجد سوى النكران والنقمة من أقربهم إليه ، ليرى نفسه وقد أمسى وحيداً قد نبذه أهله ، وأنكره حتى أصحابه بقدرة قادر عادل ،ليجد نفسه ضائعاً تائهاً في سكة من ينتظره من أمثاله .

✍ ..إبراهيم الزين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open