الرئيسية / مقالات / الكلمة تبني و تهدم

الكلمة تبني و تهدم

📝..السيد فاضل علوي آل درويش

ورد عن الإمام العسكري (ع) : قلب الأحمق في فمه ، و فم الحكيم في قلبه )( بحار الأنوار ج ٧٥ ص ٢١٠) .

يشير الإمام العسكري (ع) إلى مبدأ تحمل مسئولية الكلمة من عدمها كمشخص و علامة على الشخصية ، فتدل على حكيم يزن كلماته كما يتعامل مع تصرفاته و يضعها في سكة التأمل لا التهور ، أو تدل تلك الكلمة المتسرعة و المتهورة التي تعقبها الخسارة على فقدان هذا الإنسان لأمان اجتماعي يحفظ علاقاته من الاضطراب ، فالكلمة مرسال للآخر فليهيء المرء رسالته التي يتكهن و يخمن و يطل من خلالها الغير على مبتنيات شخصيتك .

و لذا نرى من يطلق العنان للسانه كالفرس الجامح تضرب يمنة و يسارا يسوقه نحو السقوط من أعين الناس و لا يقيمون له وزنا ، مستخفين بما يصدر منه من كلام و لا يعيرون له أي أهمية ، و أما العاقل فيضع لجام الحكمة و التأمل و النظر في نتائج ما يتفوه به ، لعلمه بأن الكلمة الطيبة كما أنها ترسم معالم المكانة الاجتماعية و تكسبه ثقة و احترام من حوله ، فكذلك الكلمة المسيئة أو الجارحة أو الخاوية من مضمون ذي فائدة تضيف له في كل يوم خسارة بعد أخرى .

و من أهم الدروس الأخلاقية و التربوية معرفة أهمية و وزن الكلمة ، فالعاقل الحكيم يتدبر و ينظر في أثر حديثه و يتجه به نحو الجدية و بناء العلاقات المتزنة ، و يحذر من لحظات الانفعال الشديد أو تعكر المزاج فيلجأ للصمت أو ممارسة تروح عنه حتى تهدأ نفسه ، فاللسان ليس بآلة عبثية ترمي بالكلمات في أي جهة كانت و بدون مسئولية ، فكم من كلمة انفعالية كانت السبب في توتير علاقاتنا الزوجية أو الاجتماعية ، ثم نلوذ بعدها بالندم الشديد بعد انكشاف نتائجها السيئة ، فجرح مشاعر الآخرين بسبب الحمق و ضعف التفكير في أثرها المؤلم جناية كبرى .

و لعل البعض يعيش وهم قوة الشخصية من خلال حضوره بالكلام مهما كانت نوعيته ، و يرى في محيطه الاجتماعي تلك النظرة لمن يلوذ بالصمت دلالة على جهله أو قلة معارفه و معلوماته الثقافية ، بل و يعتبرون المتحدث شخصية تتصف بالثقة بالنفس فلا يصاب بالارتباك أو التردد في الحديث .
و هذه النظرة الممزوجة بمغالطات ليس بخاطئة في تأصيلها ، و لكن ما يدل على قوة الشخصية و اللباقة و الانطلاقة الاجتماعية هو الكلام الموزون و ذو الفائدة لما يحمله من أفكار أو معلومات لا مطلق الحديث ، كما أن العاقل الحكيم يجيد فن الاستماع فيجد في هذا التلاقي فرصة لاستماع الآراء الأخرى دون أي مقاطعة ، إذ الحكمة تتولد من القراءة و استماع الآخرين ، فضلا عما يدل على ألقه الأخلاقي باحترام الآخر بإفساح المجال لهم بالحديث و استحقاقه للاإنصات بشكل جيد .
و الخلاصة من هذه الحكمة هي التأكيد على وضع مجهر عقلي ( المعبر عنه بالقلب في الرواية ) تمر من خلاله الكلمات و التصورات لنتائجها قبل التفوه بها ، فانتقاء الكلمات المناسبة و ترك غير الملائم منها من دلالات الحكمة و رجاحة العقل ، تجنبا لعطب الكلام أو الثرثرة فيما لا قيمة له ، فإن الحمق في أحد جوانبه إلقاء الكلمات على عواهنها بدون تدبر و تأمل في أثرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open