الرئيسية / محليات / “الفرج” إننا نعاني من فوضى النشر الفوري في عصر سرعة التقنيات لعدم وجود مرجعية متخصصة

“الفرج” إننا نعاني من فوضى النشر الفوري في عصر سرعة التقنيات لعدم وجود مرجعية متخصصة

بدرية آل حمدان - القديح 24

هناك من يعبر عن المقال بأنه حصان السباق الفائز في ساحة الصحافة والاعلام ،قد يكون هذا التعبير مرتبطاً حقاً بواقع الحال، فالمقال رغم عزوف فئة -ليست بالمحدودة- عن قراءة المقالات؛ إلا أنه مازال يبث الوهج الذي يشد كثيرين للقراءة والاضطلاع، فهو كما الكتاب المعروض على رفوف المكتبات، الذي يتصفحه القارئ في مكتبة الكتب قبل عملية الشراء، ليبحث بين السطور وخلف نوافذ حروفه عن قيمة معرفية عميقة أو فكرة خلّاقة تُعبر عن شئ داخله أو قضية مقتطفة من مجتمعه بثها ذلك الكاتب من خلال مقاله في قالب غني بما يضيف له الكثير من أوجه المعرفة.

هذا ما ذكرته الكاتبة  ليالي الفرج “لتطبيق القديح ٢٤”.

قالت “الفرج ” حين يكتب الكاتب مقالة؛ فإنه يركز على فكرة تكوّنت في مساحة من ادراكه تغذّت وتبلورت بملامح تفكيره وحصيلته المعرفية وما يتبناه من رؤية فاحصة لتفاصيلها وتشبعت من حصيلته العلمية والثقافية وخبراته عبر الزمن، فنجد ملمحاً من ثقافة ورأي هذا الكاتب من خلال ما يطرح لكن تطغى الموضوعية على طرحه.

 وأضافت في حين أن الكتابة الأدبية تبدو أكثر قرباً من بناء الخيال وتقمص المشاهد البعيدة كل البعد عن شخصية الكاتب الحقيقية وعن موضوعية الطرح، فيباح له أن يُنوع في أساليب العرض لدرجة أن القارئ البسيط ومحدود الاضطلاع والقراءة قد يصل لقناعة أن ما يطرحه هذا الكاتب جزء من الحقيقة، هنا يغلب الأسلوب الإنشائي بخصائص أدبية، وهذا النوع يخضع لمعايير دقيقة في التقييم، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكتابة الأدبية قد تبتعد عن عالم المقال لتُنتج أجناساً تُمتّع القارئ بعيداً عن الموضوعية في الطرح، فالكاتب يُسطّر موضوعَه بأسلوب ذاتي إنشائي يتّسم بالعاطفة، والخيال، واللفظ البديع، وجمال العرض، لهذا نحتاج لوحدة الموضوع والتسلسل المنطقي للأفكار وكثير من السمات التي إن لم يتضمنها فإن الكاتب يُحوّل قطعته النثرية لكومة من الأخطاء. وفيما يتعلق بالنقد الأدبي للكتابة المقالية؛ فهي إن وجدت لا تتعدى اجتهادات فردية، قد يخالطها النقد الضعيف غير المرتكز على معطيات موضوعية، مضيفة فنحن نفتقر لوجود رابطة للنقد وتنظيم ومصادقة المحتوى الكتابي في عصر تنوعت فيه وسائل النشر وتوسّعت بصورة لا تخدم الإبداع الكتابي، لأن فوضى النشر يُربك عملية بناء الإبداع الكتابي الحر والذي لا يُنشر تحت مظلة متخصصة أقل ما يمكن أن تقدمه هو التوجيه والتقييم العام.‎

أبجديات.. يجب الالتفات لها. 

وقالت: فيما يتعلق بالأبجديات والأدوات ، هناك مجموعة من الأسس التي يجب الالتفات لها، أهمها الأمانة الأخلاقية، فلا يجوز للكاتب أن يُضمِّن محتواه بالسرقات الأدبية بأنواعها، سواء السرقات الصريحة لنصوص ومقولات ومعلومات دون ذكر المصدر حرفياً، أو السرقات المحوّرة، كأن يُغير في أسلوب ويغير في العبارات المسروقة ويخلق محتوى جديد ليوهم القارئ أنه هو الذي أنتج هذا المحتوى، وكذلك يعتمد المقال على هيكل منظم مترابط داخل إطار متماسك ويحرص على سلامة اللغة وتناغم المحتوى، من المهم أيضا أن يكون الكاتب متمكن من لغته بقواعدها الأساسية العامة، لكنه لا يتوجب أن يكون متعمقاً فيها كتخصص وأن كان تخصصه سيخدمه أكثر ويسهل مهمة الكتابة باحترافية.

 المقال الصحفي والمنصات الاعلامية.

وبينت أن المقال الصحفي هو المرتبط بجهة إعلامية ويتم نشره بشكل دوري في إحدى المنصات الإعلامية كالصحف والمجلات، وهو يخضع لمجموعة من المعايير والمقاييس الدقيقة، ويكون تحت الرقابة الرسمية من خلال رؤساء ومدراء التحرير وكذلك وزارة الإعلام، ثبّت مكانته بحكم أنه في نطاق قائم على التنظيم في النشر، وهو تحت مظلة إعلامية، يديرها مجموعة من المختصين والمتفرغين لإدارة هذا العمل، لذلك يخضع لمرتكزات مؤسساتية تربطهُ بدائرة الرقابة والتوجيه والتطوير ، موضحة الفرق بينما المقال الذاتي أو لنسميه الكتابة الذاتية أو الخواطر وتدوين اليوميات فهذا النوع يمتلك مساحات شاسعة ليُبحر من خلالها، خاصة وأننا في عصر النشر الفوري من خلال منصات التواصل الاجتماعي، والصفحات المخصصة للنشر ، وهنا يبرز الفرق بينهما.. فالكتابة الذاتية قد تتحول لقطع كتابية إما ابداعية أو تعم فيها فوضى التناغم في المحتوى، خاصة أننا نعاني من فوضى النشر في عصر سرعة تقنيات النشر الفوري عبر منصات النشر بأنواعها وغياب جهة عليا موجهة.

الموضوعية.

وذكرت إن أسلوب الكاتب يتسم فيه بالموضوعية، إذا كان متجرداً من الشخصنة في الطرح، فلا نجد مفردات التعبير عن ذات الكاتب ولسان حاله وحياته الخاصة، فهو يوجّه بوصلته نحو طرح مختص وأكثر تركيزاً سواء كان علمياً أو أدبياً أو سياسياً.. وغيرها من المجالات، فيجمع البيانات المنطقية ويشبعها تحليلاً ليستخلص لنا استنتاجاً أو يصدر حكماً قائماً على ما سبق من معطيات.

بسط الفكرة. .. التقنيات

وأشارت إلى بعض الطرق والأساليب التي يمكن أن يتعرف عليها الكاتب من خلال الدراسة الأكاديمية بشكل مفصل وموسع، قائلة أنه يمكن  التعرف على الكثير من هذه التقنيات في مجال الكتابة التخصصية والإبداعية من خلال الدراسة الأكاديمية، والتي من أهمها الحرص على هيكل المقال وترتيب عناصره بصورة منظمة ووحدة الموضوع حتى وإن كان غنيّا بالتفاصيل والأمثلة.

وأضافت في بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، تعتبر المقالات جزءًا أساسياً في التعليم الرسمي، حيث يتعلم طلاب المرحلة الابتدائية حتى الثانوية كتابة المقالة لتحسين مهاراتهم في الكتابة ؛ وهذا ما يسهل عليهم الكتابة في المرحلة الجامعية بطريقة أكاديمية، لكن في صحفنا يعتمد أغلب الكتّاب على اجتهاداتهم الشخصية وخبرتهم عبر مسيرتهم الكتابية والتوجيهات التي يتلقونها من مدراء التحرير إن استدعى الأمر.

رفع مستوى الادراك

 وأكدت على أنه لا يمكن حصر مهمة الكاتب التي يؤديها للشريحة المجتمعية في نقطة واحدة أو في رؤية ضيقة محدودة، بل مهمته تمتد لفلسفة نهضوية تبني المجتمع من خلال رفع مستوى الوعي لأفراده، لذلك نجد الكاتب المتمكن والمستشعر بالمسؤولية، يسعى لبناء الوعي ورفع مستوى الإدراك لدى العامة، ويعبر عن لسان حال قضايا المجتمع أو تساهم في تقدمه وتوعيته حيال أمور كثيرة، ولا ينبغي على الكاتب أن ينخرط ضمن دائرة الطرح المألوف والذي لا يقدم للفرد سوى تسطيح القضايا وبث لغة الثرثرة الخاوية من القيمة المعرفية والتي بدورها تُنجب لنا جيلاً يبحث عن المحتوى القيّم من خلال ممارسة القراءة الواعية.

الجمهور عاوز كده

وشددت على عدم الانجراف مع ما يطلق عليه باللهجة المصرية ” الجمهور عاوز كدة ” فهذه القاعدة لا تبني مجتمعاً مثقفاً ومترفعاً عن ضعف الوعي والانجرار نحو المنهجية الركيكة والتي تحارب اللغة والوعي والبناء الحضاري من خلال ثقافة المجتمعات، ينبغي أن نواصل طريق الإبداع والطرح المنهجي والمتخصص والذي يرفع مستوى وعي وفكر المتابع ويفتح له آفاق من الرقي المعرفي. الأمر الآخر هو احترام عقل المتلقي وعدم التلاعب بالمفردات والحقائق وتشكيلها في قوالب ظاهرها ليس كما تحمل في جوفها من حقيقة.

و أضافت إن مسؤولية الإعلام تتسم ببعد النظر في التنبؤ بأثر ما يُقدَّم من خلال منصته الإعلامية، فهناك معايير قانونية وفنية يخضع لها كل ما يتم طرحه، وللأسف شهدنا مؤخراً هالة من الضبابية في إعداد المواد المقدمة للجمهور، فطغى عليها التسطيح وازدواجية المعايير التي تُقدم للمتلقي وجبة غنية بالزيف وعشوائية الإعداد فيما يُطرح، ولقد تم تقديم هدف المكسب المالي أو الشهرة على الهدف .

غياب الإدارة المتخصصة

ووضحت إن الصحافة الإلكترونية اليوم في سباق مع الزمن وفي طريقها لتثبيت وتوسيع مكانتها عبر الأثير الذي اقتحم كل محطات استقبال المحتوى باختلاف مجالاته، لكن ما يعيبها هو ازدحام المنصات بفوضى النشر وغياب الإدارة المتخصصة والاحترافية؛ مما يتسبب في هبوط مستوى ما يُقدم للمتلقي كوجبة ثقافية معرفية أو اخبارية وغيرها، أما الورقية رغم مرورها بفترة حرجة تُهدد هيكلها إلا انها تُحاول أن تبحث عن تحولات فاعلة وذات اثر دافع لمرحلة جديدة من التقدم ومجاراة التطور التكنولوجي ، وما يميزها أنها ترتبط بجهات متخصصة وذات خبرة واسعة في مجال الإعلام والنشر وإدارة المحتوى، ويعيبها خضوع العملية لمجموعة من المعايير والتقنيات الإنتاجية التي تخفض من مستوى سقف الحرية في الطرح أو محدودية المساحة والانتقائية فيما يطرح من محتوى.

وتابعت وبصورة عامة؛ ربما لن يتفق الجميع على رأي وتقييم واحد، ولا توجد لدينا مرجعية متخصصة لتقييم الكتّاب وتصنيفهم أو حتى تقديم النقد المتخصص لتطوير المحتوى وتشذيبه، وهذا ما لامسته عندما تعمقت في مجال الكتابة الإبداعية في الولايات المتحدة، فوجدت الفرق الشاسع في جانب التدقيق في العملية الكتابية من الألف إلى الياء مروراً بالهيكل المتكامل لأجزاء المقال بأنواعه.

بوابة الولوج

واختتمت قائلة :في الحقيقة، أول نقطة أود أن أنصح بها كل من يمتلك الشغف في الكتابة، أن يدرك أن بوابة الولوج لهذا العالم هي القراءة المستمرة، وأيضاً الإدراك أن الكتابة مسؤولية قبل أن تكون مجرد ترف واستعراض ومحاكاة للكتاب المحترفين، الأمر الآخر والذي أعتبره قوة دافعة لتميز الكاتب، هو الإخلاص في الكتابة والتجرد من تقمص أسلوب كاتب ما من خلال السرقات الأدبية حتى وإن كانت مجرد مفردات مسروقة من هنا أو هناك، فذلك بعيد كل البعد عن أخلاقيات الكتابة وهذا يجعل من كتاباتنا باهتة خالية من نكهتنا الخاصة لأننا كسرنا أقلامنا من خلال تقليد كاتب ما، والنقطة الأخرى، التريث في عملية النشر وعدم الاستعجال لأن ذلك قد يضعف منك ككاتب بسبب كثرة الأخطاء او عدم تماسك القطعة الكتابية بسبب عدم المراجعة والتصحيح، وأنصح بكثرة القراءة بتمعن، ونتقبل النقد الموضوعي البناء.

الجدير بالذكر أن ليالي الفرج، كاتبة رأي في صحيفة آراء سعودية، يتم نشر مقالاتها عبر الزاوية الأسبوعية «مرافئ» وسابقاً في صفحة الرأي في صحيفة الشرق السعودية وكذلك صحيفة القبس الكويتية. مهتمة بالشعر والترجمة الأدبية وفي مجال البحث في العلوم الإنسانية باللغتين العربية والإنجليزية. تخصصت في اللغة العربية والإنجليزية وعلوم الحاسب والتربية، صدر لها أربعة كتب في الشعر والأدب والتعليم وعلم النفس والاجتماع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open