الرئيسية / مقالات / عمل النبي

عمل النبي

فاطمة أحمد الشيخ

هل كان النبي محمد قبل بعثته وفي طفولته رعى الغنم؟ إذا ثبت انه قام برعي الغنم فذلك لأجل تأمين الرزق و تأمين سُبل المعيشة، وينقسم المؤرخون إلى فريقين، فريق يقول انه صلى الله عليه واله رعى الغنم لأهله (وهذا من رأيي ليس بمستبعد لأنه صلى الله عليه واله بإنسانيته العظيمة وأخلاقه العالية ومن باب حبه لعمه و مساعدته تدفعه نفسه المتناهية في قمم السمو والإيثار الفطري ومن طبيعة شخصيته العظيمة التي تأنف و تأبى نفسه أن تكون عبئاً على أحد، وها هو يرى عمه الكثير العيال والضعيف الحال في قتر الرزق فتدفعه نفسه الرحيمة لمساعدة عمه الذي قد أحله محل الابن والأخ وكذلك هو صلى الله عليه واله الذي كان شعوره نحو عمه شعور الابن للأب لكفالته له و حنّوه عليه و إيثاره على أبناءه فلا عجب أن يقدم له المساعدة، ألم نجده وقد أعطى عمه جميع ما كسبه في رحلته الثانية للشام للمضاربة بتجارة خديجة، وإن قيل أن مزاولته لرعي الغنم ولا يليق بشخص مثله لأنه قد خلق لأجل رسالة سماوية لتبليغها للبشرية فلو كانت هذه المهنة منقصة لما ذكرت في الكتاب الخالد المعجزة المصاحبة لرسالته كتاب الوحي الإلهي لرسول البشرية الخاتِم و دينه الناسخ للشرائع السابقة، فيقول المولى في كتابه الكريم عن لسان نبيه موسى، (وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) فلو كانت هذه المهنة من المهن المستهجنة لما كان نبيٌّ من أنبياء الله قد امتهنها.

وإن كان نبي الله محمداً أشرفهم وخيرهم وخاتمهم فليس بمستغرب امتهانه للرعي للطبيعة والبيئة التي قد عاش فيها خاصة وإن ثبت انه قد عاش سنيّ طفولته الأولى في بادية بني سعد، كذلك الظروف التي أحاطت به من فقر ويتم، ولتكن تلك فضيلة تضاف إلى فضائله العظيمة وسجاياه السامية فهو ذو الأنفة والعزة والسمو والعطف والكرامة فتأبى نفسه أن تكون عبئاً على عمه الفقير ذي العيال الكثيرة فلن يقف مكتوفاً لا يساعده وهو ذو الحس المرهف والشعور الاجتماعي، وكيف يتأتى له أن يلتحق بركب التجارة وهو الفقير اليتيم وهل يستطيع عمه الفقير تأمين تجارة يشتغل بها ابن أخيه كما يفعل الأثرياء من قومه! هذا هو تحليلي الشخصي واضافتي وتصوري)
نرجع للتاريخ، فالفريق الذي يقول رعى الغنم لأهله أو لغيرهم بقراريط (جزء الدرهم أو الدينار) وبعضهم يقول على قراريط ويقصد بها منطقة بأجياد وبعضهم مقابل قراريط ويقصد بها المال.

(وقفتي في هذه بقولهم انه رعى الغنم لغير أهله هذه تقسم ظهر البعير وتدمي القلوب حاشاه أن يكون أجيراً لأحد يرعى غنمه حتى وإن كان صلى الله عليه واله في سنيّ طفولته الثانية فمنذ لحظة خروجه للدنيا ودلائل العلو والشأن الرفيع برهان ودليل على رفعة شأنه) كما إنه صلى الله عليه واله لم يكن في عنقه طاعة لأحد فهو نشأ حراً من كل قيد (ولهذا شاء الله أن تموت أمه وهو في طفولته)
فمسألة رعي الغنم من قبل النبي لأهل مكة أو لغيرهم من غير أهله فهذا لا يقبله العقل لأن مثله لا يعمل أجيراً أو تحت مظلة أصحاب الثروة أو يعمل تحت إمرة أحدهم أو يُنقَد أجراً لقاء عمله لديهم.

عن عائشة تقول (إن أصحاب الرسول عمّال أنفسهم) مما يفهم من الحديث أن أصحاب الرسول يعملون لأنفسهم أو إنهم يرقّون أنفسهم كذلك صلى الله عليه واله أولى بالعمل لنفسه وهناك نقطة أخرى كما في أحاديث البعض أن رعيه للغنم علّمه كيف يقود أمة! يا للعجب لمثل هذا المالك للكمالات النفسية والإمكانيات العقلية! هل هناك داعٍ له أن يرعى الغنم لأجل ذلك؟
ليس بعسير على الله أن يعده المولى ويمده ويفيض عليه الكمالات ويسلّحه بالصبر والتحمل لتكليفه لقيادة الأمة وإعداده ليكون الرجل المناسب في المكان المناسب وأن يتحمل المشاق في تبليغ رسالة السماء وما سوف يصاحب تبليغها من مشاق وليس هو بحاجة لأن يرعى غنماً ليتعلم الصبر والتحمل وسعة الصدر.

أوهل الداعي لرعي الغنم للخلوة بنفسه ليفكر في الكون ويتدبر ويتبصر في آيات الخالق لكي يصل إلى الأدلة والبراهين إلى خالق الكون؟
لا يستدعي ذلك والبيئة المحيطة به تدعو للاختلاء بالنفس دون امتهان رعي الغنم، فها نحن نجده قد خلى لنفسه في غار حراء مراراً للاعتكاف وعبادة الله على دين إبراهيم الذي كان آباؤه وكفلاؤه كلهم ثبت أنهم ممن يؤمنون بالله وباليوم الآخر.

فاطمة أحمد الشيخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open