الرئيسية / مقالات / بين العفو والقصاص

بين العفو والقصاص

📝..أحمد بن مكي الجصاص

في زمن ٍ ضيعت فيه أمة محمد (ص) الصلاة و أكثروا من السيئات و قللوا من الحسنات سماعون للكذب أكالون للسحت يستحلون الزنا و الخمر و الطرب و الغناء .

في زمن ٍ أهله لهم وجوه جميلة و ضمائر ردية وجوههم وجوه الآدميين و قلوبهم قلوب الشياطين يأكل بعضهم لحم بعض ، الفقير بينهم ذليل حقير ، و المؤمن ضعيف صغير ، و العالم عندهم وضيع ، و الفاسق عندهم مكرم ، و الظالم عندهم معظم ، و الضعيف عندهم هالك و القوي عندهم مالك ، لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر .

منذ أن كشف المتحدث الإعلامي بشرطة المنطقة الشرقية بتاريخ ١٧ جمادى الثاني ١٤٤١ هـ خبر القبض على مواطنه في نهاية العقد الخامس من عمرها ، تعالى وأرتفع صوت الفجار ونعيق الغراب بأن العقوبه المناسبة للمتهمه في خطف الأطفال هي إقامة حد الحرابة لسعيها الإفساد في الأرض ولا يرون سوى الأسنة والاسهام والسيوف (القصاص) جوابا .

ومما يملئ القلب قيحا ً والصدر غيظا ً أصوات الذين يحسبون أنفسهم أنهم من أهل العلم والثقافة والإيمان والتدين ، وينطقون بما لم ينزل الله به عزوجل من سلطان ويرفضون ويخالفون مبدأ من مبادئ الاسلام دين الرحمة التي تتبع القاعدة الانسانية الاصيلة ” المتهم برئ حتى تثبت ادانته” ، ويتغافلون ان اتهام الناس ظلم كبير والنيل من كرامتهم وشرفهم وسمعتهم أيضا ً ظلم وهو ما نهى عنه الاسلام وأصل مبدأ البراءة وهي من القواعد الأساسية في التشريعات فقد قررته الشريعة الإسلامية في القواعد التفصيلية المفصلة في نصوص كثيرة من الكتاب وسنة محمد (ص) وسيرة أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة (ع) ، فويل ٌ ثم الويل مما يقولون على الله بغير حق .

وهذا ما كفل به النظام الأساسي للحكم في المملكة من مبدأ البراءة للمتهم من أنه لا يجوز معاقبة المتهم حتى يصدر حكم القضاء بادانته وفي نظام الإجراءات الجزائية السعودي انه لا يجوز معاقبة المتهم الا بعد صدور حكم قضائي نهائي (من المحكمة لا من الصحف الصفراء و وسائل التواصل الإجتماعي ).

وبناء على ذلك فان المشتبه به/ـها في ارتكاب جريمة ما يعامل معاملة البريء فلا يجوز محاسبته ولا التشهير به ويستثنى من ذلك حالة التلبس بالجريمة والمتهم في الجرائم الكبرى ومن يخشى هروبه من العدالة اذا توفرت الأدلة ضده وان من أبسط حقوق المتهم أيضا ً توكيل محام للدفاع عنه .

ولكن في الطرف المقابل نجد أن موسى الخنيزي العائد إلى أحضان أبويه الشرعيين يلجم أصوات الفجار ونعيق الغربان بحجر الذين أنعدمت في قلوبهم الرحمه والأنسانية .

ففي ترجمه عمليه ليس كمن يقولون ما لا يفعلون من ادعياء العلم والورع والتقى واشباه الرجال ولا رجال ، التي تدل على ايمان موسى وسمو نفسه وطهارتها وحسن سجاياه وعظم أخلاقه يسجل موسى في تاريخ الإنسانيه وبتسجيل موثق أكثر من مره وبضرس قاطع يقطع فيه الشك باليقين وبإبتسامه تملئ محياه ورجل ثابته وبقلب مطمئن يصرح وبشكل مدوي حينما سأل عن رأيه عن من ربته( بأن اليد التي مدت له لمدة اكثر من ٢٠ سنه لن يقطعها أو يعضها ، وبأنه سيزور المتهمه في حبسها حتى ولو لم تطلب منه ذلك ، وبأنه سيبر بها) و بأن لديه (أم أثنتين واب واحد) ، ولا ننسى أيضا ً موقف والده الحاج علي الخنيزي بالتنازل عن حقه الخاص في القضية .

لا غرابة ولا عجب من موقف الشاب ذو الأثنان وعشرين ربيعا الذي ينحي له الرؤوس اجلالا ً وعظمة المستمد من الإسلام المحمدي البعيد كل البعد عن الإسلام المزيف الجاهلي .

هنيئا للمضطربة نفسيا ً (المتهمه) إن صح أنها كذلك كما صرحت بعض الصحف ، على هكذا زرع زرعته (مبادئ وقيم الإسلام) في موسى وهو الإحسان إلى المحسن أو المسيء فقد أحسنت تربيته ، نعم أحسنت تربيته لقد رأينا أمهات كيف يعاملون فلذات أكبداهم من سوء المعامله والعكس من ذلك بعقوق الأبناء لآبائهم وسوء معاملتهم ، فما بالك من إمرأة تعلم يقينا ً بأن موسى ليس من لحمها ودمها وقد أحسنت معاملته وتربيته حسب ما صرح موسى بذلك أكثر من مرة .

وهاهو موسى يجازي إحسان معاملتها وتربيتها له ويدفع السيئة (الاختطاف) بالحسنة وبالتي هي أحسن (التربيه)، وأن المتهمه آثرته على نفسها طيلة المدة التي كان معها وفي أكثر من موقف .

قال تعالى ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60] ، ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ﴾ [فصلت / ٣٤: 60].

وهاهي المضطربة نفسيا (المتهمة) ترى نتيجة عملها وإحسانها له وتسمع ممن أحسنت إليه (موسى) كلاما ً يشرح له الصدر ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة /٧].

فليتعلم أصحاب الحواس السليمة من المضطربة نفسيا ً (المتهمه) الآيثار بالنفس وإن كانت بهم خصاصه والإحسان للإنسان قبل الدين والمذهب وليتعلموا من موسى رد الإحسان ورحمة الضعيف والعفو عند المقدرة بغض النظر كان/ ـنت مستحق له/ـها أم لا ؟!

ولا تصدر مثل هذه المواقف ألا من العظماء والأسوة الحسنة كمحمد وآل محمد (ص) وممن أتخذهم أسوة حسنه في حياته وسار على نهجهم .

سيعتبر أصحاب المقاييس المادية الدنيويه بأن عفو موسى وإحسانه وبره (للمتهمه ) ضربا ً من الجنون والسفاهه ، ولكن أصحاب المقاييس السماويه سينظرون إلى تصرف موسى أنه من خُلِق الله جل أسمه وصفاته وهو العفو والإحسان إلى المسيء إذ يوصي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله المسلمين بالتخلّق بأخلاق الله، فيقول: «تخلّقوا بأخلاق الله، إنّ أكثر الناس يدخلون الجنّة بتقوى الله وحسن الخلق» / المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج16، ص210.

زخر التاريخ بأحداث وقصص وعبر قادره ان تكون دستوراً اخلاقيا خالداً للبشرية بالنهج الاسلامي ، المستمد من القرآن الكريم ، واخلاق اهل البيت عليهم السلام ، الذي ازدان بالقصد والاعتدال ، واصالة المبدأ ، وسمو الغاية ، وحكمة التوجيه ، وحسن الملائمة لمختلف العصور والافكار ودلت على ان فساد الاخلاق وتفسخها كان معولاً هداماً في تقويض صروح الحضارات ، وانهيار كثير من الدول والممالك

واذا اصيب القوم في اخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً وناهيك في عظمة الاخلاق ، ان النبي (ص) اولاها عناية كبرى ، وجعلها الهدف والغاية من بعثته ورسالته واهل بيته وهي إتمام مكارم الأخلاق .

عن عبد الرزاق، قال: جعلت جارية لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه، فشقه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: (والكاظمين الغيظ) ، فقال لها: قد كظمت غيظي قالت: (والعافين عن الناس) ، فقال لها: قد عفا الله عنك. قالت: (والله يحب المحسنين) * [آل عمران (2) الآية 124].
قال: اذهبي، فأنت حرة / تاريخ دمشق (الحديث 90) مختصر ابن منظور (17: 240).

فكأن هذا الحوار كان امتحانا واختبارا، نجحت فيه هذه الجارية، بحفظها هذه الآية، واستشهادها بها، فكانت جائزتها من الإمام عليه السلام أن تعتق!

وقال عبد الله بن عطاء: أذنب غلام لعلي بن الحسين ذنبا استحق منه العقوبة، فأخذ له السوط، فقال: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) / الجاثية (45) الآية (14] فقال الغلام: وأما أنا كذلك، إني لأرجو رحمة الله وأخاف عقابه ، فألقى السوط، وقال: أنت عتيق / تاريخ دمشق (الحديث 113) مختصر ابن منظور (17: 244).

فلقد لقنه الإمام عليه السلام بقراءة الآية، وهو يختبر معرفته بمعناها وذكاءه، فأعتقه مكافأة لذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open