الرئيسية / مقالات / قماش سيارتي يقودني إلى جوهرة!

قماش سيارتي يقودني إلى جوهرة!

سعيد حسن المطرود

بين آونة وأخرى، تتجلّى كثيرٌ من كلمات الحكم والأمثال على أرض الواقع، فـ “رُبّ صدفة خيرٌ من ألف ميعاد”، واحدة من الحكم التي تردّدت على لساني يوم الثاني عشر من رجب الأصب، حيث كنت في طريقي لشراء فحمات (قماش) لسيارتي.
وقفتْ سيارتي أمام محلّ بيع قطع غيار في بداية شارع القديح العوامية، مكتوبًا على لوحته (Mazda).
تفاجأت بأنَّ صاحب المحلّ شيخ كبير في العقد الثامن من عمره، من القطيف، يعمل بكلّ جدّ وحيوية، استقبلني بابتسامته العريضة، سلمتُ عليه، فردَّ عليَّ بأحسن منه.

سألته:
هل عندك قماش أمامي لسيارتي موديل 2012؟
قال:
عندي، لكن لن أبيعك إيَّاه؛ لأنه غير جيّد، بفشّلنا معاك!!
فرحتْ نفسي لصدقه، وطيب معدنه. فلا غرابةَ، فجيله جيل الطيبين الأجاويد.

قلت له:
ممكن تبحث لي عن طلبي بمعرفتك؟
قال:
لحظة، أتصل على العامل يبحث لك، ويخبرني بسعره، فإن وافقت على سعره أتى به.

اتصل مباشرةً، فقال له العامل: موجود لكن أحتاجُ عشر دقائق لكي أصل َإليك.
وقال: تفضّل، ارتاح داخل المحل، ريثما يصل.
دخلتُ، وجلست على الكرسي.

– بادرني بسؤال: من أين أنتَ؟
– قلتُ: من القديح.
فأطرى على القديح، ورجالاتها الماضين، حيث كانت تربطه بهم علاقة صداقة ومحبّة.

– قال لي: هل تكتب الشعر؟
– قلت: لا، للأسف الشديد، بل أقرأُ بعضه.
– فقال: أنا أكتب الشعرَ النبطي منذ سنوات طويلة، ولديَّ قصائد كثيرة، أغلبها ما زال في كرّاسات متفرقة، كتب أولادي البعض منه بالكمبيوتر.

– قلت له: عرّفني بشخصكم الكريم.
– أنا علي عبد الباقي أبو السعود (أبو حسين)، من مواليد قلعة القطيف، سنة 1361هـ

– قلتُ له: كم سنةً تعمل في محلّ قطاع الغيار؟
– ثلاثون سنة تقريبًا. وقد عملت لحَّاماً فترة طويلة من الزمن أيضًا.
– قلتُ له: حدّثني عن تجربتك الشعرية، وهل تكتب الفصيح منه؟
– أكتبُ الشعر النبطي فقط. ولي قصيدة في حريق القديح الدامي عام 1420هـ، أقعدتني الأنفلونزا عن إلقائها في التأبين المنعقد لشهداء الحريق – عليهم الرحمة-، فأُلقيت عنّي بالنيابة.
أخرجها من درج محله، محتفظًا بها في جيب بلاستيكي مصفوفة بالكمبيوتر.
– سألتُه: هل تسمح لي بتصويرها بجوالي للتوثيق؟
فرحّب ترحيبًا كبيرًا.

بينا هو يحدّثني عن شعره، وقصائده، إذ وصلت القطعة المطلوبة (قماش السيارة).

وخوفًا من إشغالي لوقته في المحلّ، وقبل أن يأتي زبائن آخرون، سألته:
ما رأيك، أبا حسين، تسمعني مقطوعة شعرية قصيرة أوثّقها بجوالي، وأنشرها ليتعرف الناس عليكم.
– قال: لا مانع.
فأنشدني مقطوعة جميلة من شعره، وفي آخر اللقاء، تفضّل عليَّ بأُخرى عن قلعة القطيف، أخبرني بأنه ألقاها هذا العام في (مهرجان البارحة) المقام في قلعة القطيف.

أضع المقطوعتين بين أيديكم صوتًا وصورة.

قلت له في آخر اللقاء:
أنتَ – أبا حسين- ملهمٌ لجيل الشباب، في إصراركم على العمل، وفي موهبتكم الشعرية، ونعتزّ بمعرفتكم.
– وقال مازحًا مبتسمًا:
لا تجعل (قماش السيارة)، سببًا لزيارتنا، في المرات القادمة.

نسأل الله للحاج (أبي حسين) العمر المديد، ودوام الصحة والعافية.

بتاريخ 1441/7/12هـ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open