الرئيسية / مقالات / من الرمز إلى الرمز الديني

من الرمز إلى الرمز الديني

سلسلة كتاب في مقالة
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2020 – 2

● اسم الكتاب : من الرمز إلى الرمز الديني .

● المؤلف : د. بسام الجمل

● الناشر : دار رؤية – مصر

● الطبعة : الأولى 2011

● عدد الصفحات : 191 صفحة

☆●☆●☆●☆●☆

” الإنسان كائن رامز ” عبارة كتبت بحبر أحد الدارسين للرمز كنتيجة لأبحاثه . لقد وجد هؤلاء البحاثة عبر دراساتهم الميدانية لعدة من الشعوب البدائية في مختلف القارات أن الرمز يعيش مع الإنسان في حياته ، بل لايكاد يفارقها إن لم نقل لا يستطيع العيش بدونها ، بل لا يستطيع التطور إلا عبرها ، بل إن النقلات النوعية في مسيرة الإنسان في حضارته كانت النقلة فيها عبر تطور رموزه ، فبتطور علم الرمز يتطور الإنسان في سلمه الحضاري على مختلف الأصعدة . ولعل من أفضل الأمثلة على ذلك هو اختراع ” الأبجدية الكتابية / الحروف ” والتي هي عبارة عن رموز للأصوات ، و كذلك ” الأرقام ” في نظام الحساب والعد . ويأخذنا المؤلف إلى أبعاد جديدة من عالم الرموز الواسع ليدرسها في حقل خاص هو الرمز الديني ؛ ليعرفنا على نظريات عدة من أبرزها نظرية الفيلسوف الإنجليزي ” ديفيد هيوم ” عن تطور العقل البشري وانتقاله بالتدريج من التجسيد إلى التجريد ، فما معنى الرمز ؟

قسم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة فصول هي :
1- في معنى الرمز وخصائصه .
2- الرمز بين محاولات التصنيف وتعدد الوظائف .
3- في أهم مقاربات الرمز الديني .

وسوف نعرض لأهم محتويات هذه الفصول وما جاء فيها .

– 1 –
استعرض المؤلف تاريخ لفظة ” الرمز ” – عند الأوربيين – وأن أصلها مأخوذ من اليونانية وتعني قطعة من الخزف أو الخشب ، هذا في أصلها اللغوي ، وأما في دلالتها الأصطلاحية فيحمل معنيين متلازميين هما : ( الحس = الوعي ) و ( المادة الأولى أي الصورة = اللاوعي ) .
ويعرف ” علم الرمز ” : بأنه نشاط معرفي يبحث في مكونات الرمز ومرجعياته وخصائصه ودلالاته ووظائفه .

لم يقف المؤلف في استعراضه لمعنى الرمز على ما ذكرناه بل ذكر عدة آراء وتعريفات أخرى آثرنا على الاختصار لا التوسع فيها . ثم انتقل بنا المؤلف إلى نقاط مهمة سنشير إليها إشارة خاطفة ؛ لأهميتها دون الاسهاب . فقد استعرض المؤلف الصلة الوشيجة بين الرموز كمكون أساسي من مكونات الأسطورة في مفهومها الانتروبولوجي ، وأن معرفتنا اليوم برمزية الأساطير تتجاوز إلى حد بعيد معرفة الأجيال السابقة بها .ففي ماضي الأزمان لم يكن الناس يتفكرون في رموزهم ، بل كانوا يعيشون وهم خاضعون – بلا وعي منهم – لدلالاتها ولفعلها في حياتهم . كما بين عن أهم خصائص الرمز من المنظورين الانتروبولوجي والفينومينولوجي ، وهي خمسة سنكتفي بعناوينها : –
1- التلبس بالوجود الإنساني .
2- العلاقة في الرمز يين الرامز والمرموز إليه نازعة إلى شيء من الثبات .
3- للرمز معقوليته الخاصة ومنطقه المميز له .
4- خضوع الرموز لمبدأ التصنيف .
5- قابلية الرموز للتأويل .

وخرج المؤلف من دراسته لهذا الفصل بنتيجة مؤداها هي ” صعوبة الخلوص إلى تعريف جامع مانع للرمز ، وذلك لأسباب عديدة منها تباين مناهج المقاربة بين العلماء المتخصصين في هذا الباب ( التحليل النفسي ، الانتروبولوجيا ، الفينومينولوجيا ..) ومنها تعدد ضروب الرمز ومستوياته ( الرمز الديني ، الرمز الأدبي ، الرمز السياسي ..) .

– 2 –

خصص هذا الفصل لدراسة تصنيف الرموز وتعدد وظائفها عند الباحثين الغربيين . ” فكانت للباحثين الغربيين محاولات عديدة ومختلفة النتائج في تصنيف الرموز ، اتخذوها عونا لهم على فهم حقيقة الرمز وما يؤديه من وظيفة أو أكثر . والحق أن الداعي الأساسي الذي يمكن أن يفسر تعدد تلك المحاولات في التصنيف هو اختلاف اختصاصات هؤلاء الباحثين . فمنهم الفيلسوف ( مثل ” يونغ ” و ” باشلار ” ) ومنهم مؤرخ الأديان ( مثل ” إلياد ” ) وعالم الأنتروبولوجيا ( مثل ” دوران”) وعالم النفس ( مثل ” فرويد” ) ، وحتى عالم الاجتماع ( مثل ” بيار بورديو ) ، فعلى قدر تعدد ضروب الرموز تتعدد الوظائف وعلى قدر انحسار الضروب تتقلص الوظائف التي تؤديها .

اقتصر المؤلف على تقديم ثلاثة تصنيفات للرموز من خلال نماذج ممثلة لها وهي : التصنيف الثنائي ، والثلاثي ، والرباعي .
التصنيف الثنائي تصنيف ” يونغ ” وقد قسمها إلى رموز فردية ورموز جماعية ، والرموز الجماعية عدها أكثر أهمية ؛ وعلة ذلك أنه اعتبر الرموز الجماعية لها أصل إلهي ، وهي ثمرة من ثمار الوحي ! ولأن الرموز و” المتصورات الدينية ” خضعت طيلة قرون عديدة وعلى التدريج لإعداد ولتهيئة دقيقة وواعية . وأما التصنيف الثلاثي فهو تصنيف ” إلياد ” الذي درس الأساطير والأديان القديمة وفي مقدمتها ديانات الهند القديمة ، حملته على توزيع الرموز بحسب انتمائها إلى ” تجليات المقدس ” الثلاثة وهي :
1- تجليات المقدس الكونية ، وهي تتضمن من بين ما تتضمن رموز السماء والأرض والمياه والأحجار . وتمثل هذه العناصر حسب ” إلياد” أقدم أشكال المقدس التي عرفها الإنسان في حياته.
2- تجليات المقدس البيولوجية .
وهي تشتمل على أغراض أو عناصر عديدة من قبيل الدورات القمرية والشمس والنباتات والنشاط الفلاحي .
3- تجليات المقدس الموضعية .
ومدارها على الرموز المستفادة من الأماكن المقدسة والمعابد ومن الفضاء المقدس .
وأما التصنيف الرباعي للرموز فيعد ” غاستون باشلار ” ممن يمثلون هذا التصنيف أحسن تمثيل ، وذلك في مجموع ما ألف من كتب في غير اختصاصه الإبيستيمولوجي . ذلك أنه قام بتوزيع الرموز على العناصر الأربعة وهي : الماء والنار والهواء والتراب . وهذه العناصر بمثابة القانون الثابت في مملكة الخيال .

– 3 –

إن صح لنا القول أن ما تقدم من الفصلين السابقين ما هو إلا مقدمة ، وأما الهدف الأصلي للمؤلف فهو هذا الفصل من الكتاب ، وهذا نص كلامه ” ولئن كان منطلقنا في العمل الكلام على الرمز عموما في مختلف أبعاده ، فإننا حرصنا على أن ينصب اهتمامنا أكثر ما ينصب على الرمز الديني ، وهو اختيار أملته علينا اعتبارات معرفية منها أننا نرى أنفسنا معنيين بحكم توجهنا إلى اختصاص معين مجاله ” المتخيل الديني ” .

في هذا الفصل قسم المؤلف عمله إلى أربع مقاربات للرمز الديني ، وقصد من ذلك الانتقال في التعامل مع قضايا الرمز من مستواها النظري الفلسفي إلى مستواها العملي الإجرائي من خلال الأبحاث الميدانية . وهذه المقاربات الأربع التي سوف نلمح لها ولنتائجها ؛ لصعوبة استعراضها وتشعبها ، و هي :

1- المقاربة النفسية ، ويمثلها ” فرويد ويونغ ” .
خرج المؤلف بعد شرحه لدراسة فرويد عما يتصل بالرمز الديني إلى التالي ” والذي نخرج به ، بعد النظر في الأفعال الرمزية للديانة الطوطمية – ( والطوطمية مصطلح ، وهي صيغة أولى للدين في تاريخ البشرية ) – أن المقاربة التحليلية النفسية أتاحت لفرويد أن يكشف عن سمات مميزة لهذا الشكل الديني البدائي ، فضلا عما حملته من إمكانات مضمرة أو صريحة توفر لها مجال التطور في الديانات اللاحقة . ولذلك فإن العديد من الظواهر الدينية ( طقوس ، عقائد ..) والأحداث التاريخية المتصلة بسير بعض الأنبياء لم يتسن إدراك مغزاها الرمزي على الصعيدين الديني أو النفسي إلا بالرجوع إلى تلك الحقبة الأولى الضاربة في القدم من ” تاريخ الأديان ” .

2- المقاربة البنيوية ( ليفي ستراوس انموذجا ) .
يتمثل هدف الأنتروبولوجيا البنيوية في الوصول إلى ” المعاني العميقة واللاشعورية ” المكونة لجوهر الثقافة باعتبارها مجموعة من الرموز والإشارات . ومعنى الرمز عند ستراوس يستخلص مما يسميه بالأنساق الرمزية وأهمها هي : الطوطمية والأساطير والمحظورات .
وخلص المؤلف إلى أن أهم مكاسب الانتروبولوجيا التي غنمها ستراوس من دراسته ل” الفعالية الرمزية ( هي إثبات أن الوظيفة الرمزية خاصة بالإنسان ، وهي تعمل لدى الناس كافة حسب قوانين واحدة ). كما أن المستفاد مما تقدم أن العلاقة بين الرمز الديني والأنموذج التطبيقي الذي ساقه ستراوس في دراسة الفعالية الرمزية إنما هي علاقة غير مباشرة بحكم تعويله على ” أسطورة ” بعينها ذات مضمون سحري وديني في آن . إن المقاربة البنيوية قادرة على دراسة الرمز الديني في مكوناته وفي نسقه الداخلي من خلال الأساطير الحية .

3- المقاربة التاريخية للأديان ( إلياد أنموذجا ).

” إن إسهام ” إلياد” في دراسة الرموز الدينية المستخلصة خاصة من الأساطير القديمة بارز للعيان ، إذ استطاع التعامل مع معجم اصطلاحي ومنظومة مفهومية منسجمة المفردات ومتناغمة المكونات حتى أضحت بعض العبارات من لوازم تفكيره من قبيل ” زمن البدايات المقدس ” و” الزمن الكوني ” و” مركز العالم ” و” تجليات المقدس ” . ولعل مزية ” إلياد” أنه خلص في دراسته للرمز الديني إلى قوانين أو شبه قوانين تتجاوز حدود النماذج التطبيقية التي اشتغل عليها . ومن ثم يمكن اختبار مدى صمودها أو صحتها حين تطبق على ظواهر دينية منتمية إلى ثقافات أو ديانات مغايرة لتلك التي اعتمدها إلياد في بحوثه .

4- المقاربة الأنتروبولوجية الرمزية ( “غيلنر ” و”غيرتز ” إنموذجين ) .

إن المهمة المحورية للأنتروبولوجيا الرمزية هي دراسة المعنى في حياة الإنسان الاجتماعية ، وتتم هذه الدراسة من خلال الرموز .ومن ثم تعد الثقافة في دلالتها الأنتروبولوجية بمثابة النص الرمزي القابل للفهم وللتأويل .
لقد ظهرت الأنتروبولوجيا الرمزية كعلم قائم بذاته في السبعينات من القرن العشرين ، وتحديدا في أمريكا . ويعد ” غيلنر ” و ” غيرتز ” أهم علمين في هذا العلم .

ما يهمنا في هذه الجزئية هو عرض لخلاصة بحث ” غيلنر ” حول نظرية ( التأرجح البندولي) لهيوم الفيلسوف البريطاني عبر كتابه ” التاريخ الطبيعي للدين ” . تنبني أطروحة ” هيوم ” حسب ” غيلنر” على مبدأ مهم مفاده أن العقل البشري يتطور على التدريج من التجسيد إلى التجريد ، وهو تطور بطيء جدا لا ينتبه إليه عامة الناس . ويتجلى هذا التطور على الصعيد الديني في الانتقال من ديانة ” الشرك ” (التجسيد ) إلى ديانة ” التوحيد ” ( التجريد ) .

وفي خاتمة الكتاب يفصح المؤلف عن الهدف من وضع هذا الكتاب بقوله :”… يحق لنا فيما نقدر ، أن نتخطى عتبة استيعاب ما رشحت به الدراسات الغربية من مكاسب في مبحث الرمز الديني . ومن ثم يتسنى لنا الانتفاع بها في تناول إشكاليات المتخيل الديني في الإسلام ، ونحن متى اضطلعنا بهذه المهمة وسرنا على هذا النهج نصيب هدفين أحدهما الوقوف على الخصائص والوظائف والمقاصد المشتركة أو المختلفة بين الرموز الدينية الإسلامية وغيرها من الرموز سليلة ديانات وعقائد مغايرة . وثانيهما التحقق من مدى صحة القواعد العامة أو أشباه القوانين المستخلصة من الدراسات الغربية عن الرمز الديني “.

■ تقييم الكتاب …

الكتاب على صغر حجمه يقدم مادة مركزة حول الرمز والرمز الديني عند الغرب ، جيد الترتيب والعرض ، وخال من التعقيد . فهو أشبه ما يكون بكراسة طالب جامعي أعدها لتكون معينا له في أيام امتحاناته . فالكتاب يغيب عنه العمق الذي يتطلبه موضوع كهذا الموضوع العميق ، ويكتفي المؤلف بعد العرض بتعليقة بسيطة يوجزها في خاتمة كل فصل .

رضي الحصار

11/3/2020 16/7/1441

تعليق واحد

  1. السيد حسين السادة

    موضوع جميل وشائق. متعكم الله بالصحة والعافية.
    لدي ملحوظة صغيرة جدا كول هذه العبارة :
    “والحق أن الداعي الأساسي الذي يمكن أن يفسر تعدد تلك المحاولات” استخدام كلمة “الاساسي” لا أعتقد أنكم لا تعرفون ذلك ولكن ربما وقعتم فيها من باب الغفلة أو سرعة الطباعة فأبدلت من الأساس إلى الأساسي.

    جهد مبارك وتحياتي لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open