الرئيسية / مقالات / وجوه لا تنسى/ مهدي الخاطر الميت الحي “القديح”

وجوه لا تنسى/ مهدي الخاطر الميت الحي “القديح”

حسن محمد آل ناصر

عصبة الذئاب تحوم حول المسجد تسلط الضوء عليه بإحكام تلفه من كل الجوانب كلف الأخطبوط الذي يستعد لينقض على فريسته، لم يكن بالحسبان بأن الشخص الذي اهداه الاطفال قنينة ماء وكيسا من الحلوى هو نفسه من لوث بجسده ودمه المسجد مفجرا نفسه بحزام ناسف لينثر اشلاء ودماء طاهرة بريئة اختلطت بالقرآن وهي تصلي.
لا اود الرجوع للأحزان والام الفقد، لا وألف لا وددت فقط ان اجدد الذكرى بمعنى اخر غير الذي عهدتموه، نعم لأحكي قصص الخالدين واجعلها حديث الأمس لليوم واليوم للمستقبل، في الركعة الثانية من صلاة الجماعة ظهر يوم الجمعة كمن احد الذئاب في الصف ما قبل الأخير وفجر حزام ناسف كان يخفيه خلف ملابسه وتسبب بقتل اثنان وعشرون شخصا واصابة مائة واثنان جريحا.
كان ما بين الشهداء كبار وصغار شباب وكهله، هنا سأروي لك ايها القارئ الكريم عن شخصية لازمتها وعاصرتها وجلست معها انه الشهيد المؤمن “أبا احمد” الذي لا تفارق الابتسامة محياه مسالم محب للخير متواضع جدا تكسوه السكينة والهدوء طيب القلب إذا مشى يغض البصر دائما ينظر للأرض من الحياء.
كانت تسميه امه “تربة مسجد” حنون القلب علاقته بها كعلاقته بالمسجد يقدسها وهي اغلى ما يملك في الكون بعد كل فريضة صلاة يعودها بالزيارة كل يوم، أجل لم يمر عليه يوم في حياته إلا بر بها وزارها وكثيرا ما يصاحبها معه في زياراته للاماكن المقدسة، كل ما يشغل همه أن ينال رضاها لأن رضاها رضى الله سبحانه.
وجهه ابيض مستدير كالبدر في ليلة تمامه معتدل القامة رشيق الجسم له جمال رباني سبحان من صورة، جمال يفوقه الرجولة والعنفوان طلته وحسن منطقه تسلب العقول ذو خلق كريم، انه الشهيد مهدي بن احمد بن مهدي الخاطر وهو الأبن الأكبر بين اخوته وله اخت أكبر منه، ولد في 01/07/1381هجري لأبوين مؤمنين ربياه على طاعة الله والصلاة، فأباه كان فلاحا طيبا مكافحا عاش يحرث الأرض حتى تخضر وتثمر، وأمه حفظها الله من ذاك الجيل الجميل الذي تربى على المنبر الحسيني النسائي “العزية” وايضا ممن تحب النخيل وحينما تزوره يقضي معها وقتا طويلا في حديقة منزله بين الاشجار ورائحة الريحان، وشجرة الريحان اشتهر بحبه لها وعلى طول مساحة الحديقة يزرعها وحتى في الحديقة الخارجية عند سور المنزل، ولا اعلم ما علاقته بالريحان ربما لأنه ريحانه من الجنة جاء لهذه الدنيا لينشر عطره بالمحبة والسلام وسرعان ما عاد غصنه الأخضر إلى جنة الرحمن، كان يقطف بعض اغصان الريحان ويضعها في قنينة زجاجية فوق طاولة المطبخ.
توفي والده وهو يبلغ من العمر عشر سنوات تقريبا، هنا اكمل دراسته الابتدائية بتفوق ملحوظ ولكن آثر البحث عن عمل ليقي اخوته الأيتام عناء الحياة ملتحقا بالمعهد الصناعي وحينها كانت تعطى له مكافأة شهرية وأول مبلغ استلمه اشترى لإخوته خزانة ملابس.
ترعرع بين ازقه القديح يلعب بالكرة القدم ويهوى صيد الاسماك “الحداق”، يحب الطبيعة والاشجار والنخيل، حتى في استذكار دروسه كان يحب الجلوس بالهواء الطلق، كافح كثيرا في حياته كان رجلا استثنائيا بمعنى الكلمة، ابهرني وابهر من حوله بتحديه للمعوقات واحتوائه المشكلات والصعوبات في شتى صروفها الحياتية، كسر قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه واعطى من حوله كل ما حرم منه واكثر .
مرت عليه سنوات صعبة جدا لكن الله شمله بعنايته تربى في بيت عمه الحاج عيسى الخاطر بعيدا عن امه لأنها تزوجت رجل آخر بعد وفاة والده، اعتنى بأخوته الاثنين “صالح، حسين” واخته التي تكبره “بدرية” التي بعد ذلك تزوجت من الحاج عباس القديحي، صار لهم الاب اخذهم ليعيشوا معه زوجهم وذهب بهم للحج وتكفل بتكاليف السفر جميعا.
التحق بتوفيق الباري سنة 1982ميلادي “بشركة الزيت العربية الأمريكية” حاليا شركة “ارمكو السعودية” التي تم تأميمها عام 1988م، حيث درس واتم ما يعادل دراسة المرحلة الثانوية متقنا اللغة الإنجليزية وبرع في الرياضيات.
شيد أول منزل في منطقة “المنيرة” للقرب من سكن أعمامه ومعظم اهله، في سنة 1983م تزوج الحاجة بدرية بنت عيسى آل عبيد (20/04/1384) وانجبت له خمسة ابناء واربعة بنات، كان مثقف وحكيم متفتح العقل في تعامله مع اسرته في حل المشاكل بشكل إيجابي يحاول ايصال رأيه بالإقناع والهدوء دون عصبية تذكر، نقدر ان نقول بأن تربيته لأبنائه كانت مثالية، عطوف وحنانه يظهر في ابتسامته المعهودة ونبرة صوته الذي بالكاد تسمعه.
دائما نصيحته لأهله التمسك بأهل البيت عليهم السلام ودائما تراه يتمتم بالشكر لله وبحمده، علم اولاده وبناته الصلاة والالتزام بها في وقتها منذ الصغر، كان يردد في آخر ايامه (أن الله اغرقني بالنعم من الاموال والاولاد والبنات والزوجة الصالحة والصحة فلا اريد من الدنيا غير رضا الله وان ارى اولادي بخير وسعادة)، في شهر رمضان يجمع اولاده وبناته إلى جانبه ويستأنسون بسماع صوته العذب حينما يتلو القرآن بصوت جهور وترتيل جميل واضحة، وفي كل يوم عند أذان الفجر يوقظ أسرته بكل اريحية وابتسامة وصوت هادئ ويقبل رؤوسهم.
تقاعد من شركة ارامكو سنه 2012م بعدما نال عددا كبيرا من الانجازات والشهادات والجوائز والتكريم خلال مسيرته المهنية كان آخرها درع خدمة ثلاثين سنة، كان يحب الهندسة ودائما يرسم خرائط لبناء منزله الجديد مدخلا افكارا على خريطة المهندس، فعليا كان يجيد الرسم الهندسي، ولكن هذا البيت لم يكتمل للآن ولم يسكنه واسكنه الله بيت في جنته.
رغم مشاغل الحياة والركض بها إلا انه يوميا يصلي بالمسجد، ولم ينسى وبشكل دوري زيارة ارحامه وخاصة امه والأقارب والمرضى منهم، عرف عنه حبه الشديد لأعمامه وعماته وأبناءهم حيث كان يصلهم كثيرا، واما اسرته اصبح يقضي وقته معهم، وفي كل صباح قبل اشراقة الشمس يسألهم ماذا تشتهون على الفطور، نعم ويشتري الطعام المفضل لكل فرد، يفرح كثيرا إذا اجتمع أبنائه وبناته في يوم الجمعة على الغداء.
لم يتكبر قط ولم يقل يوما لا احب هذا الطعام أو يشتكي كان قنوعا شاكرا لله على نعمته، ذات يوم حين اعدت زوجته وجبة العشاء ثلاثة اطباق جلس ينظر للطعام بنظرة حزن وألم!! سألته زوجته عن سبب حزنه؟!! كان رده: تذكرت الفقراء وجوعهم.
كان يبادر دائما لمساعدة الناس وأهله وأصحابه وخصوصا الأيتام كان ينكسر قلبه لهم ويعطف عليهم ولا ينسى كسوتهم في الاعياد والمناسبات، كريما جدا وفي نفس الوقت يكره التبذير ويحب الحفاظ على النعمة، حتى بعد استشهاده مازالت يده تعطي الكثير والكثير من عطاءه الذي لا ينسى، في ذات يوم اخذني ولده الكبير “احمد” لمبنى جمعية مضر الخيرية ليدفع ما كان يدفعه أباه في كفالة الايتام.
لقد ذكرت لكم بأنه عاش مع عمه الحاج عيسى “ابا عادل” وكان يناديه (ابي) والشيء بالشيء يذكر بأن ابن عمه عادل توفي وكان واقع الحزن كبير لأنه تربى معه وقريبا جدا لقلبه وخلف ايتاما فما كان من الشهيد إلا أن انكسر قلبه لرؤية أبناءه الأيتام فحن عليهم وكرر زيارتهم والسؤال عنهم.
علاقته مع الله مميزة ولهذا اختاره الله للشهادة وهو يصلي وفي يوم جمعة وهو صائم قائم، تتجلى روحه الطيبة في علاقته المتينة بأهل البيت عليهم السلام في افعاله وأقواله، أجل ينشغل بقراءة الأدعية وكل ليلة جمعة يقرأ دعاء كميل، يعشق الرثاء الحسيني والعزاء “اللطميات” يقضي جل وقته بالاستماع إلى نواعي مصائب بيت النبوة عليهم السلام.
في يوم تعطلت سيارتي واستعرت سيارته “هوندا جيب” كان صندوق خزانتها كل ما تحمله اشرطة وكاسيت محاضرات وادعية ومواليد ولطميات، هذا الشهيد المؤمن يذكرنا دائما بالرسول الأعظم (ص) والأمام علي عليه السلام، وكان يردد: (تعلموا من اخلاقهم الصبر والحلم والقناعة ونبذ الشهوات، هذه الدنيا فانية فلا تتبعوها واعملوا لأخرتكم) والحقيقة تقال كانت صفة الصبر طاغية على جميع الصفات التي امتلكها.
من بعض مواقفة النبيلة مع افراد اسرته كان ينتظر عودة ابنته “هبة” من المدرسة ويحمل الحقيبة عنها جالبا معه كوبا من الماء رحمة وحنان، لما ارادت ان تلتحق بجامعة اهلية تكفل بجميع المصاريف الباهظة بكل رحابة صدر وعلاوة على ذلك لم يتكاسل في الخمس سنوات يوصلها دون تذمر، شجعها على العمل التطوعي شاهد فيها الميل للغة الانجليزية حفزها اشترى لها آلة إلكترونية (مترجم) وكتب للقواميس ومعاجم الترجمة.
أجل كان هكذا مع الجميع فقبل رحيله بيومين كانت ابنته “شروق” عائدة من مكة المكرمة بعد أداء فريضة العمرة وعند وصولها حضنها وضمها برهة من الزمن وبكى، احست برطوبة دموعه، فحاولت ان ترفع رأسها لكنها لم تقدر فقد منعها أن ترى دموعه باحتضانه الشديد لها وتقبيل رأسها كأنه كان يودعها.
في ايامه الأخيرة كان يكثر من النظر إلى وجوه أبنائه وأسرته وكان كثير الصمت، كان يقبل رؤوسهم صباحا ومساء، كان بلسم لجراحهم وآلامهم ينادي احد بناته بنوارة البيت والأخرى بالمدلله وأصغر أبنائه يلقبه بحسين نور العين، لا تزال صورته في مخيلة ابنائه أيام شهر رمضان حين يعود للمنزل محملا بأكياس الطعام والاشياء التي يحبونها، وكيف كان يحمل طبق السلطة والشوربة إلى أمه يوميا، وعندما يشتري الخضار والفاكهة واللحم والدجاج والسمك يقسمها بين بيته وبين أخوته، رحمه الله لم يكن متطلبا ابدا يأكل ويحمد الله بل يشكر زوجته المخلصة ويقول (ما قصرتو طول النهار تعملون في اعداد الطعام).
يوم الاستشهاد يوم الجمعة كان صائما استيقظ مبكرا كعادته ذهب إلى امه ومن ثم يعود خالته المريضة وبعدها زار بيت عمه الحاج عيسى الخاطر، ثم عاد لمنزله وبقى مع زوجته وابنته الصغرى “فاطمة” قبل جبينها ولم يشأ أن يوقظ باقي ابنائه وبناته قال لزوجته: دعيهم نائمون لا توقظيهم.
خرج لصلاة الخلود قبل وقتها بكثير كأنه مشتاق للقاء ربه في يوم سعيد توج بالإيمان وذكر الرحمن والمؤمنين فيه صيام وصلاة جمعة يا لها من شهادة التحق فيها بأنصار الحسين عليه السلام في 22/05/2015م، هو واحدا من هؤلاء الشهداء الذين اختارهم الله وهم راكعون بالصلاة، استقبلوا الغدر والتفجير بروح راضية تسلقت للجنان بأذن الله، رفرفت أرواحهم كأسراب حمام سلام أبيض نحو الفردوس، فرحمك الله “يا أبا احمد” رحمة الابرار واسكنك الله فسيح جناته. (لأرواحهم الطاهرة قراءة سورة الفاتحة)

تعليق واحد

  1. ألف رحمة ونور على تلك الروح الطاهرة، صحبناه فوجدناه قمة التواضع ونكران الذات. الله يرحمهم جميعًا فهم سفراءنا للآل الأطهار. ما أحلى أن نموت في محبتهم…
    أحسنت أخي العزيز، لا جف قلمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open