الرئيسية / مقالات / تشكيل العقل الحديث

تشكيل العقل الحديث

رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2020 – 3

● اسم الكتاب : تشكيل العقل الحديث .

● المؤلف : كرين برينتون

● الناشر : عالم المعرفة – الكويت

● الطبعة : 1984 م

● عدد الصفحات : 378 صفحة

☆●☆●☆●☆●☆

الأفكار الكبرى التي انتجتها عقول ما عرفت الهدوء مطلقا ، كان القلق الميتافيزيقي محركها على الدوام ؛ للإجابة على أسئلة ينتجها كل عصر من العصور أو كل حقبة من حقب هذا الإنسان الباحث على الدوام عن إجابات تروي ظمأ أسئلته الحائرة ، والتي سرعان ما تتشعب ليتولد في حقبة جديدة أسئلة جديدة تبحث عن أجوبة جديدة . وإن مقولة ” العلم نقطة كبرها الجاهلون ” المتسائلون هي صادقة كل الصدق على مسيرة تطور البشرية . فالإنسان المتسائل على الدوام هو الذي يحرك نقطة العلم لتكبر حتى تصير بحرا من لجج العلم .

إن الأفكار الكبرى التي أنتجها العقل الأوربي في الخمسة القرون الماضية شكلت العقل الأوربي الحديث والمعاصر بحيث صاغت منه شخصية على مستوى القرار تكون قراراته ينفعل لها الوجود البشري المعاصر برمته ، ولذا تأتي أهمية فهم كيفية تشكل عقل الأوربي ؛ لفهم تلك القرارات التي تكون في أذهان الكثيرين غير مفهومة ، ومن هنا جاء انتخاب كتاب ( تشكيل العقل الأوربي الحديث ) ليقدم في اختزال دورة عن تاريخ تلك الأفكار التي شكلت عقله في منهج تاريخي تحليلي لا يخضع لأشكال التحقيب المعتادة في كتب التاريخ لتاريخ الدول وملولكها .

عندما دخلت المسيحية أوربا انتشرت بين العامة الجاهلة والغير متعلمة والمتعطشة للعبادة الطقوسية ، ورفضت واصطدمت بالنخبة المتعلمة التي تحمل بين جوانبها العلوم اليونانية وآدابها ، غير أن الغلبة في نهاية المطاف للكثرة فانتصرت المسيحية وطقوسها وانزوت العلوم اليونانية وحملتها في دهاليز المجتمع الأوربي ، فدخلت أوربا في سباتها لقرون والتي عرفت بالقرون المظلمة القرون الوسطى . كان هذا الجمر المعرفي لفلاسفة اليونان وعلومها وآدابها قد بدأ يعلو أواره وإعادته إلى حيز الظهور في نهاية القرون الوسطى ، وعلى وجه التحديد في القرن الخامس عشر بظهور (الحركة الإنسانية ) والتي أعلت الصوت برفض سلطة الكنيسة الفكرية فكانت هذه أول لبنة في طريق تشكل العقل الأوربي الحديث ، وقدمت شعارا وتيارا سبجد صداه في المستقبل بما عرف لاحقا “بالنزعة الفردية ” والتي هي القاعدة الصلبة في شخصية الأوربي الحديث ، هذه المقولة هي ( الإنسان معيار كل شيء ، وأن كل إنسان معيار ذاته “) .

لم تهدأ ثائرة المفكرين والإصلاحيين بعد هذه الإنطلاقة فجاءت حركة مارتن لوثر وكالفن وغيرهما لتنشأ على أيديهم الحركة الدينية الجديدة وهي البروتستانيتة فكان نجاحها بانفصالها عن الكنيسة الأم الكنيسة الكاثوليكية الرومية ، فانتشرت الكنيسة في أوربا في انجلترا وهولندا وألمانيا ، ولم يدخل القرن الثامن عشر إلا وقد اعترف بهذه الكنيسة على المستوى الرسمي ، فقدمت رؤية جديدة للدين المسيحي والحياة والكون ، ولكن لم يجمعها رغم نجاحها وحدة كنسية واحدة ، بل تشعبت وإن كان يجمعها هدف واحد وهو العداء للكنيسة الكاثوليكية الرومية. قدم هؤلاء الإصلاحيون بحركتهم قفزة بتحرير الإنجيل من اللاتينية التي كانت اللغة الوحيدة التي يقرأ بها الإنجيل ، إلى ترجمة الإنجيل إلى كل اللغات الأوربية ، وساعد على انتشار فكر الحركة أيضا اختراع الطابعة التي بدأت تأخذ مكانها في سرعة النمو المعرفي الشعبي بين طبقات المجتمع .

وهكذا فك عقال الحرية الفكرية العلمية منها والدينية ، فكان الطريق معبدا ليرتقي العقل ويأخذ مكانته في هذه المسيرة فكانت الحركة العقلانية في قرن العباقرة القرن السابع عشر . فأبرز هذا القرن جملة من العلماء تركوا بصمتهم في تشكيل العقل الأوربي . ويعد الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون أحد أبرز الوجوه لهذه المرحلة وكذلك كوبرنيكس وتيكوبراهي وكيبلر وجاليليو ، وأما الممثل للتطور الفلسفي التام للمذهب العقلاني وبصورة كاملة هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت . وتأتي أهمية ديكارت بأنه أيضا أحد أبرز الذين مهدوا الطريق لحركة التنوير القادمة . كذلك رفد الفيلسوف اليهودي سبينوزا النزعة العقلانية وكان امتدادها على يده إلى مسافات بعيدة ، بل يصف البعض سبينوزا بأنه مفكر وحدة الوجود ، وإن كان المؤلف يرى خلافه . وأما في مجال السياسة فقد كان كتاب ” الأمير ” الذي وضعه مكيافللي هو الأبرز في الحركة العقلانية وذاع صيته في الأصقاع .

كانت القرون الثلاثة بمثابة الأثافي الثلاث لما بعدها من القرون ، وبمعنى آخر إن بناء وتشكل العقل الأوربي يبدأ من القرن الثامن عشر على قاعدة القرون الثلاثة السابقة . وعرف هذا القرن في تاريخ الفكر بالرومانسية والعاطفة ، وفي ذلك اعادة التوازن لشخصية الإنسان وذاته فكان فولتير وروسو وغيرهما من أرباب هذا المذهب والذي أنتج أجياله الثورتين الكبيرتين ، الثورة الفرنسية والأمريكية ، وأعادوا بناء انجلترا ولكن بدون ثورة .

وبدخول القرن التاسع عشر ظهرت التيارات الفكرية الكبيرة والتي شهدنا نهاية بعضها في تسعينيات القرن العشرين . كانت الداروينية إحدى هذه التيارات العلمية والفكرية التي انبسطت على القارة الأوربية والأمريكية والعالم الغربي بشكل خاص والعالم بشكل عام ، ولا زالت الداروينية لها أنصارها في العالم حتى وقتنا الحاضر . والتيار الآخر الماركسية والتي قدمت عقيدة في تنظيمها وأطروحتها أفضل من الديمقراطية القديمة بحسب راي المؤلف . وأما الفكرة التي كانت البروتستانتية لها يد في انطلاقتها من عقالها على يد مارتن لوثر فكانت القومية ، والتي كبرت عبر القرون في هدوء إلى أن سقتها الداروينية فرفدتها بمنطق العرق الأسمى والأقوى ، فكان تضخم الذات الأوربية والإنجلوساكسون على الأخص .

فتحت النزعة القومية كأقوى التيارات الفكرية القادمة من القرن التاسع عشر باب القرن العشرين فوقع في مصيدته العقائدية فأثمر الحربين الطاحنتين الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين والذي توقف المؤلف عنده . ومن ضمن التيارات العلمية التي أخذت مكانة أيضا في القرن العشرين هي النسبية والثورة العلمية ، وبنسبة قليلة كان للوجودية ذلك الأثر .

إن انطلاقة النهضة الأوربية الحديثة كان لها مسار وهي معاداة الكنيسة وأفكارها ورجالاتها ، والمسار الآخر هي نزعة الحرية في العلم والفكر . ولكن الكنيسة الكاثوليكية الرومية لم تبق على حالها بعد الضربة الانشقاقية للبروتستانتية الموجعة ، فأعادت لملمت ذاتها فكانت عودتها وتموضعها في المجتمع الأوربي الحديث وأخذها مكانتها بالمساهمة في تشكيل العقل الحديث .

■ تقييم الكتاب …

الكتاب على صغر حجمه يعد موسوعة مصغرة لتاريخ الفكر الأوربي . جميل في عرضه وإيجازه غير المخل . والمؤلف يملك رأيا علميا استشرافيا للمستقبل ، ويترك آراءه النقدية على جميع المحطات والتيارات التي قدمها ، وهو ما يجعل من الكتاب كتابا ممتعا لدى القارئ .

2020/4/1 1441/8/8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open