الرئيسية / مقالات / قطائف القطيف في رمضان

قطائف القطيف في رمضان

هلال الوحيد

أجمل شهور السنةِ القمرية هو شهر رمضان والقطيف في مدنها وقراها وجزرها هي أجمل الأماكن التي يطل فيها هلال هذا الشهر، فيه يعود من غاب ويأسف من لم يشهده. كم كان بودي لو كتب أحدُ الأدباءِ كتابا عن عاداتنا وتراثنا في شهرِ رمضان بلغةٍ شيقة، فهو تراثٌ فيه من الفرادةِ والجمال ما لا يوجد في غيرهِ من المجتمعات، ولا يرقى إليه نظيرٌ في الأصالة!

في الليلةِ التي يستهل فيها لشهرِ رمضان يتهامس الناس: هل رأى أحدٌ الهلال؟ ومع الشك في رؤيته لن تشك في أن الشارعَ والحارة والمدينة تغيرت، كانت ميتة وبعثها اللهُ من جديد! أول مظاهر الحياةِ تولد مع أصواتِ القراء والداعين، فلابد من تلاوةِ جزئين من القرآنِ الكريم في كلِّ ليلة ثم دعاء الافتتاح، ولمن استزاد فكل ساعاتِ الليلِ مفتوحة، تتخللها مجالس تختص بالشهر ويحضرها أخلاطٌ من المجتمع للمشاركة واستماع من يحاضر.

منذ آخر ليلة من شهر شعبان، يسرع أئمةُ المساجد في الصلاةِ قليلا خوفا أن يأخذَ الجوعُ من الصائمين، مع أن مائدةَ شهر رمضان في المساجد من أكرمِ الموائد معدة للمصلين والغرباء على حدٍّ سواء. فيها ما لذَّ وطاب مما تصنعه أيدي نساءُ المصلين ويزينها أجودُ أصناف التمور والفواكه. يكتمل المشهد مساءَ اليومِ الأول من الشهر فقبل الغروب يسارع الناسُ للعودة إلى منازلهم. الكل يشتاق ألا يفوته تحلق الصغار حول المائدة، تسابق أيديهم للطعامِ نحنحةَ المؤذن قبل الشروع في الأذان! هي فصولٌ متتالية من الجمالِ لن أفسدَ عليك خيالك بتكرارها، نرجو ألا تغيبَ هذه السنة عن السمعِ والنظر وإن غابت سوف ننتظرها كلنا في السنةِ القادمة.

أجمل ما في عاداتنا هو زيارة من لم نزره قبل شهر رمضان. فلا يمر الشهر دون لقاء شخصٍ لم نره أو اتصال بشخصٍ لم نسمع صوته منذ زمن. تتواتر الزياراتُ ليلةً بعد أخرى وتتكثف في الليالي الأخيرة، بعد ليالي القدر، وقبل الانشغال بالزينةِ وحلوى الضيف، فعادتنا إكرام ضيف يوم العيد.

هل تصدق أن في شهرِ رمضان تعود الحياةُ لمقابر وموتى القطيف؟ قبل المساء من كل نهار، يحتشد زوار المقابر فلو كُشف لنا الغطاء لرأينا الأموات مصطفين حشودا يطالبون الزائرين: نريد المزيد، نريد المزيد، لا تنسونا ولا تَستثنونا مما فاض من وقتكم ومن نوافلكم ومن دعواتكم، ستكونون أيها الزوار هنا بيننا تطلبون من الأحياء ما نطلبه الآن منكم.

من المؤكد أن شهر رمضان في القطيف يعتني بالروحِ والجسد، فَموائد الأكلِ ممدودة وفَوائد الروح مبسوطة طول شهر رمضان، وعلى الخصوص في ليالي القدر التي تمتلئ فيها المساجدُ بالمصلين من بعد الإفطار وحتى الساعاتِ الأولى من الفجر. مشاهد نصلي للهِ أن نراها في هذه السنة وإن لم تكن فموعدنا بعد سنة، أليس الصبح بقريب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open