الرئيسية / مقالات / كيف أكتب لمن لا أحب؟

كيف أكتب لمن لا أحب؟

هلال الوحيد

لابد أنك في يومِ أمس واليوم وربما ما بعده تصلك عشراتُ رسائل الود من الأهل والأصدقاء، وأنت أيضا كتبتَ لهم رسائل حملتها ما تطيق من مشاعرِ الود والشوق. فهل أنت تعمدتَ أن تتركَ أشخاصاً لم ترسل لهم لأنك آيسٌ من مودتهم وهم لا يستحقون حتى رسالةً مجانية؟!

في الواقع لا تلام، وهذا شعورٌ طبيعي. فقد تكون المشاهد العاطفية والأحاسيس السلبية التي نود دفنها ونسيانها هي أقوى وأشد التصاقا من أن تغادر ذاكرتنا وعلى الخصوص إن كانت تشكلت واستقرت في مشاهدَ بصرية عنيفة. لكننا وإن كنا لا نستطيع أن ننسى، فنحن نستطيع أن نتناسى من أجل أن نُلقي الأحمال الثقيلة من فوق أكتافنا. تكرار رسائلِ الود يغسل وينظف ذاكرتنا من بعضِ المشاعر السلبية وإن بعد حين.

هل تصدق أنه لو كشف لك اليوم غطاء العلاقات الاجتماعية سوف لن تخلو مشاهد الحياة من أبناء استحال البر في قاموسهم قطيعة، وأخوة فاقوا إخوةَ يوسف في الكيدِ والدس، وآباء لم يستحقوا اسم الأبوة بعد، وأصدقاء خانوا أمانةَ الصداقة، فلن يكون سهلاً النسيان وكأن شيئا لم يكن:
وظُلمُ ذَوي القُربى أشدُّ مَضاضَةً
على المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهنّدِ

إذن لا عليك، مهما حصل، لا تترك تلك الرسائل الخاصة. ضمنها مشاعرك وحملها من عباراتِ الود ما تطيق لمن تحب، وحملها ما لا تطيق من المشاعرِ الجياشة لمن بينكَ وبينه قطيعة. اكتبها أنت، ولا تنسخها، وعاملها مثل البطاقة البريدية التي كنت سوف ترسلها في مبنى البريد أو القبلة الحارة في مجلسِ اللقاء والمصالحة قبل توفر تقنيات التواصل الرخيصة، فلم يكذب من قال: “من يطرق الباب يسمع الجواب”.

لن تستطيع هذه الرسائل أن تُفعل فينا ملكة النسيان، إنما في قدرتها تحفيزنا على التناسي وغض الطرف، إذ أن ذاكرتنا تبقى قوية حتى مع أفول نضارة الشباب وضعف العضلات، ما لم يعتريها الفساد. وهي التي تقينا من الوقوع في شرك العلاقات الضارة مرة أخرى.

ومن أروع رسائل الود والتغاضي قصيدة المقنع الكندي عندما اختلف مع أبناء عمه، فقال في بعضٍ منها:
وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي
وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جِدّا
أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هُم
دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا
فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم
وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا
وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم
وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open