الرئيسية / مقالات / الحروف المقطعة في القرآن

الحروف المقطعة في القرآن

سلسلة كتاب في مقالة
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2020 – 7

● اسم الكتاب : الحروف المقطعة في القرآن .

● المؤلف : د.عبدالجبار حمد شرارة .

● الناشر : مكتب الإعلام الإسلامي – قم

● الطبعة : الثانية – 1414هج

● عدد الصفحات : 103 صفحة .

☆●☆●☆●☆●☆●☆

لا تجد قارئا للقرآن لا تستوقفه ” الحروف المقطعة ” ، أو تقدح في ذهنه تساؤلا أو تساؤلات عن ماهيتها وكنهها ، فالنفس البشرية مجبولة على معرفة أسرار الأشياء . ولقد أثارت هذه الأحرف المقطعة في بدايات بعض السور المكية والقليل من المدنية أذهان المفسرين ، بل مثلت تحديا علميا لمن يتوصل إلى فك أسرارها وسبر معانيها. فطفقت أقلامهم تحبر النظريات والفرضيات حتى تطاولت واتسعت وأصبحت معتركا تتساقط النظريات على جوانبها ، بين مثبت وناقض ، وبين مؤيد لهذه ومعارض لتلك ، فلا يجد القارئ لهذا البحر من الآراء شاطئا يلوذ به ويطمئن إليه . من هنا أحب المؤلف أن يساهم في عرض المسألة ويقدم رأيه في هذا الكتاب .

جمع المؤلف الآراء المختلفة والمتعددة وقسمها على ثلاثة فصول . كل فصل يحوي بداخله عدة آراء وأقوال ، جامعها القول بنظرية واحدة ، فتختلف في التفاصيل ومقاربة المسألة . ثم يعمد المؤلف إلى مناقشة الآراء ونقضها كما في الفصلين الأولين ، وفي الفصل الأخير يقدم المؤلف الرأي الراجح عنده والقائلين به فيدعمه ويبين أسباب ترجيحه له ، وبذا يتضح أن المؤلف لا يقدم نظرية جديدة في المسألة . وسأقوم بعرض النظريات الثلاث والقائلين بها ، وذكر أدلتهم دون مناقشة المؤلف لها ، وفي الأخير سنعرض الرأي الراجح لدى المؤلف .

● النظرية الأولى : القول بأن الحروف المقطعة من المتشابه .

ذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول بأن الحروف المقطعة مما استأثر الله تعالى بعلمها .
ومن القائلين بهذا الرأي عمر وعثمان وابن مسعود والشعبي والثوري ، واختار هذا الرأي أبوحيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط ، وابن حزم ، والسيوطي ، والشوكاني : عدها من متشابه المتشابه ، وأن الفهم ليس له سبيل إليها. ومن القائلين بها من المحدثين شلتوت .

وأما أدلتهم ، فقد احتج أصحابها بالآية والخبر والعقل . فالآية قوله تعالى : (هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰتࣱ مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتࣱۖ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّ ٰ⁠سِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ)
[سورة آل عمران 7]

وأما ما استدلوا به من الخبر : ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله ” .

واستدلوا بالمعقول بما ذكره الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب من أقوالهم : ” أنه من الجائز أن يأمرنا الله تعالى بأن نتكلم بما لا نقف على معناه ، ويكون المقصود ظهور كمال الانقياد والتسليم من المأمور للأمر ، كما جاز ذلك في الأفعال ” .

● النظرية الثانية : القول بأنها حروف كل حرف يرمز إلى معنى .

وقد ضم المؤلف في هذا الفصل أحد عشر رأيا ، نعرضها للتعريف بها دون عرض أدلة الاستدلال لها .

1- القول بأنها حروف كل حرف يرمز إلى معنى .
مثاله : ما روي عن ابن عباس في ( ألم ) قوله : أن الألف تدل على الله ، واللام على جبريل ، والميم على محمد.
ومن القائلين به على ما ذكر الرازي ابن عباس وعكرمة والسدي وقتادة ومجاهد والحسن البصري .

2- القول بأن الحروف المقطعة يتألف منها الاسم الأعظم .
روي أن القائلين به ابن مسعود وابن عباس والإمام علي عليه السلام ، ذكره القرطبي وابن جرير .

3- القول بأنها تدل وتشير إلى مدة بقاء أقوام ، وقيل بقاء هذه الأمة وذلك بحسب ( حساب أبي جاد ) .

4- القول بأنها للتنبيه .
القول بأن الحروف المقطعة إنما افتتحت بها السور القرآنية والآيات للتنبيه والفات نظر المشركين ليستمعوا لهذا القرآن .
ومن القائلين به قطرب وابن روق ، ونقل أن محيي الدين بن عربي كذلك . ومن المحدثين الشيخ رشيد رضا .

5- القول بأنها أسماء للقرآن .

ونسب هذا الرأي إلى قتادة ومجاهد وابن جريح .

6- أنها أسماء للسور .

هذا القول استحسنه الكثير من العلماء والمستشرقين أيضا .
ومن القائلين به : القاضي عيدالجبار المعتزلي ، وذكر الرازي أنه قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه .

7- القول بأنها للإعلام بانقضاء سورة والشروع في أخرى .

ومن القائلين به : نسب إلى بعض النحاة ، ولم يمثل المؤلف لأحد .

8- القول بأن الحروف المقطعة أقسام أقسم الله بها .

ومن القائلين به : الكلبي ، ونسب إلى الأخفش القول به أيضا .

9- القول بأنها للإشارة إلى إعجاز القرآن .

” ذكر جمع غفير من العلماء والمحققين بأن القرآن إنما افتتح بعض سوره بهذه الحروف المقطعة ؛ للتدليل على أنه مؤلف من جنس الحروف التي يؤلف منها العرب كلامهم ، فإذا عجزوا عن مساجلته والاتيان بمثله فذلك دليل على اعجازه ، وأنه ليس من كلام البشر بل كلام الخالق ..”.
ومن القائلين به : المبرد ، ومحمد بن بحر الإصفهاني ، والزمخشري . ومن المحدثين السيد إسماعيل الصدر وسيد قطب والدكتورة بنت الشاطئ .

10 – القول بأنها للإشارة ، وإلى غلبة مجيء هذه الأحرف في كلمات السورة.

ذكره الزركشي ، وأشار إلى قريب منه السيد الطبطبائي في الميزان ، وتوسع في هذا القول الدكتور رشاد خليفة مستعينا بالحاسبات الإلكترونية .

11- القول بأن كل حرف يدل على معاني متكثرة .

ومن القائلين به : الطبري وقد سبقه إلى هذا الرأي الربيع بن أنس ، واختار هذا الرأي ابن فارس أيضا .

● النظرية الثالثة : القول بأن الحروف المقطعة فواتح للسور ليس إلا .

هذا الرأي هو الإختيار الذي رجحه المؤلف . ويذكر الطبري عدة روايات تبين أن أول القائلين بهذا الرأي هو مجاهد بن جبر التابعي المشهور ، والحسن البصري . ويستعرض المؤلف بهذه الكلمات القصار بيان سبب ترجيحه لهذا الرأي على بقية الآراء الكثيرة التي سردناها في الكتاب بقوله : ” إن الذي تحصل لدي بعد هذه السياحة الطويلة في الآراء ومناقشتها أن القول بكون الحروف المقطعة مجرد فواتح هو الرأي الذي تتقبله العقول وترضاه ؛ إذ ليس هناك كبير عناء في إدراكه ولا يحتاج إلى تمحلات وتأويلات بعيدة لتسويغه ، كما أنه سيجعلنا في غنى عن الروايات والأقاويل التي تقودنا إلى عوالم غريبة أو غير مقبولة في منطق اللغة والعقل “. ويكمل توضيح رأيه في خاتمة الكتاب بقوله :” .. واستقر عندنا الرأي على أن الحروف المقطعة ، ماهي إلا فواتح افتتح الله بها بعض سور القرآن الكريم مباينة للعرب في المألوف من ابتداءات كلامها ، على سبيل التميز والتفرد ، وكصيغة من صيغ البيان “.

قدم المؤلف أدلة ارتضاها لترجيح اختياره ، وقسمها إلى قسمين ، نقلية وعقلية . فأما العقلية فاستند إلى روايتين أوردهما السيد البحراني في تفسيره ، واحدة تروى عن أمير المؤمنين والأخرى عن الإمام الصادق عليهما السلام ، وعلق في الحاشية على هاتين الروايتين بقوله :” لم تذكر هاتان الروايتان في مورد تفسير الحروف المقطعة ، وإنما وردت في تفسير قولة تعالى ( ذلك الكتاب ) ؛ لذلك فهي غير مسوقة بالأصل لهذا المعنى ، وقد التفت إلى ذلك واستندت إليهما في هذا المطلب “.

وأما من الناحية العقلية فالمؤلف اقتبس عدة أقوال متناثرة لمجموعة من العلماء فقدمها كأدلة لبيان شرح اختياره ، وفحواها “…أن افتتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة ليس إلا إسلوبا مباينا لأساليب العرب في ابتداء كلامهم غير معروف عندهم في فنون خطاباتهم ، وهو الأليق بتميز القرآن عن الكلام المعتاد ، وأما معناها فهي لا تعدو كونها حروف هجاء عربية منها يؤلفون كلامهم “.

☆●☆●☆●☆●☆

■ تقييم الكتاب …

الجميل في الكتاب على صغر حجمه أنه يقدم للقارئ خلاصة آراء العلماء من المتقدمين والمحدثين على امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية لمسألة شغلت ولا زالت وستبقى تؤرق كل مفسر وعالم ومتأمل في القرآن العظيم ؛ لأنه لم ترد في التراث الإسلامي رواية عن النبي أو الإمام المعصوم صريحة في بيان معنى هذه الحروف المقطعة . وغاية ما رجحه المؤلف من أنها فواتح للسور هي بديهة لا تحتاج إلى استدلال أو عناء في معرفتها . وأستحسن رأيا للمرحوم الشيخ أحمد الوائلي – على في الذاكرة – في كتابه ” نحو تفسير علمي للقرآن ” عندما أشار إلى أن من الأليق للمفسر أن يتجاوز بعض الآيات عندما لا يملك علما عنها ، ولا يعيبه تجاوزها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open