الرئيسية / مقالات / رحيل التقى و الذاكرة النادرة ( الحاج علي عبدالله العباس – رحمة الله ـ نموذجًا )

رحيل التقى و الذاكرة النادرة ( الحاج علي عبدالله العباس – رحمة الله ـ نموذجًا )

سعيد حسن المطرود

فجعنا برحيل صاحب الخلق الرفيع والأدب الجم ، صاحب الذاكرة النادرة ، الحاج المؤمن علي بن عبدالله العباس ، من بلدة القديح- رحمة الله عليه .

تعرفت إليه عن قرب وإلى نخبة من المثقفين الطيبين في مجلس الأستاذ الحاج عبدالكريم محمد علي الشيخ البلادي القديحي.

-وهو من المجالس الجميلة العامرة في بلدة القديح ، يرتاده أصدقاء الأستاذ الشيخ وأقاربه كل مساء، كما يقصده أيضًا بعض الشعراء والأدباء والكتًاب ، والمثقفين ، وبعض المهتمين بالتراث من القطيف وخارجها ، كون صاحبُ المجلس من المهتمين بالتراث وتحقيقه، وهو محقق للكتاب الشهير ( أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين ) لجده العلّامة الشيخ علي البلادي -رحمة الله عليه .

، فقد كان الفقيد من المترددين على ذلك المجلس المبارك بشكل يومي تقريبًا ، بصحبة صديقه الملازم له المفجوع برحيله الأستاذ الشاعر الكبير السيد حسن علوي أبو الرحي أبي أمجد – منَّ الله عليه بالصحة والعافية ؛ كونهما من الأصدقاء الخلص للأستاذ عبدالكريم الشيخ .
حيث كان الفقيد يصطحب صاحبه السيد أبا أمجد بسيارته الخاصة مساء كل يوم بكل حب وود ، لزيارة أصدقهما معًا في بلدة القديح وخارجها، فيوزعون زيارتهما المسائية في أغلب الأيام على زيارة الأصدقاء لكل مجلس وقته المحدد .

فقد كان الفقيد ـ كما وجدتُه ـ صاحبَ ابتسامةٍ عريضةٍ ، وتواضع جم ، يحبه الصغار والكبار؛ لدماثة خُلقه ، ويكنون له كل احترام وتقدير ،ويبادلهم مثل ذلك أيضًا .
، إضافةً إلى أنه كان فترة من الفترات معلمًا للقرآن الكريم ، ولبعض المواد الدراسية في منزله أيضًا.

وقد أخبرني أخي الأكبر الحاج محمد علي المطرود أبو صادق – حفظه الله – أنه كان يقرأ القرآن الكريم في منزلنا في القديح زمن جدنا ، عندما كان إخواني صغارًا .

والراحل – رحمة الله عليه – يمتلك ذاكرةً حديدة نادرة لتاريخ المنطقة ، فهو يحفظ تاريخ وفيات الشخصيات في منطقة القطيف بشكل عام ، وبخاصة في بلدته القديح ، وقد سألتُه عن تاريخ وفاة بعض الشخصيات المتعددة من بلدة القديح ، فاجأبني مباشرة ، دون تردد .

والفقيد من مواليد تاريخ 1367، ومتقاعد في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران سنة 1426هـ
وجدتُ نفسي تدفعني للكتابة عن الفقيد الراحل ، لأداء حقٍ من حقوقه عليَّ ؛ كوني أتردد على مجلس الأستاذ عبدالكريم الشيخ ـ حفظه الله ـ وأجده هناك بمعية صديقه الشاعر السيد حسن أبوالرحي أبي أمجد ـ ألبسه الله ثوب الصحة والعافية ـ وأتجاذب الحديث معه ، ومن الحاضرين هناك، مستفيدًا متعلمًا .
وقد قمتُ بالتواصل مع بعض المقربين للفقيد العزيز أبي حسين ؛ لتجلية شيءٍ من جوانب شخصيته المباركة
وإليكَها ، قارئي العزيز :

ما قاله صديقهُ الشاعرالسيد حسن أبوالرحي ـ حفظه الله.

” كانت روحهُ متعلقةً بالمساجد ، ومشاهدَ أهلِ البيت ( ع) ،ولقد عرفتُه منذ نعومة أظفاره ، فلم أجد فيه إلا الخير والصلاح ، وكرم الأخلاق ، وحب الناس كل الناس ، كانت البسمة لا تفارق ثغره ، حتى في أحلك الظروف ، إنه رجلٌ نادر المثل في هذا الزمن الرديء “.

“وإنَّ فقدَ صديقٍ بهذه الصفات الكريمة وبهذه المواصفات لخسارةٌ كبرى يصعبُ تعويضها ، أسأل اللهَ الواحدَ الأحد ، أنْ يتغمده بواسع رحمته ، ومغفرته ورضوانه ، ويسكنه الفردوس الأعلى من جنانه ، ويلحقه بدرجة من يتولاهم محمد وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين … “

ما قاله صديقه وجاره الحاج محمد سعيد مرار ـ حفظه الله .

” بعد انتقاله إلى حي الناصرة ، كان مواظبًا على صلاة الجماعة في المسجد الكائن في منطقةالناصرة (ج) ، وهومسجد الحمزة ـ عليه السلام ـ ، كما هو دأبه في القديح ، كما كان عضوًا فاعلا في لجنة المسجد أيضًا، فقد كان يحرصُ على الحضور مبكرًا لقراءة القرآن الكريم ، وأداء الصلوات المستحبة ”
“كان حريصًا على تربية أبنائه التربية الصالحة ، ويكشف عن هذه التربية الصالحة ملازمة أبنائه له في أيام تواجده في المستشفى بالتناوب بينهم ، رغم الفترة الطويلة التي كان قضاها هناك إلى حين وفاته ، وكذا زيارة السيدة زوجته وبناته له بشكل مستمر “.

“كان يخرجُ معنا عصركل يوم جمعة إلى سوق السمك بجزيرة تاروت ، وأولُ ما يبدأ بالشراء لوالدته قبل بيته”.

” كان متواصلا مع جيرانه وأصدقائه وأرحامه ، وكانت نفسه مرحةٌ وعفوية ، يمازح الآخرين بالنكات اللطيفة المهذبة دونما تجريح أو استنقاص …”

ما قاله زوج ابنته الدكتور عبدالله العبيدان ـ حفظه الله ـ

بعد تواصلي مع الدكتورعبدالله ، فضلَّ أن أحدد له الجوانب التي أريدُه لهذا المقال ، فأقترحتُ عليه عدة جوانب أراها بارزةً في شخص فقيدنا العزيز، فقبلها ـ مشكورًا ـ وزاد عليها بما رأهُا حريًا بالذكر، فكانت على النحو التالي :

أـ علاقته بوالديه
” كان بارًا بهما تمام البر ،وشاهد ذلك عندما سكنَ العم الناصرة ، أصرَّ على انتقال والديه و أخويه “سعيد” و”ناصر ” معه في البيت الجديد ، رغم وجود السكن المستقل لوالديه وأخويه في القديح ، وقام بتقسيم بيته إلى طابقين ، طابق لوالديه وأخويه ، والآخر لهو ولعائلته ، وقام برعايتهم ومدَّ العون لهم جميعًا خير قيام .
فلم يحصل بينه وبينهم أيَّ خلافٍ أبدًا .
ب ـ علاقته بعائلته
” كانت علاقته بزوجته وأولاده ممتازة ومثالية ، فبيته ـ رحمه الله ـ يسوده المحبة والهدوء والوئام …”
ويضيف الدكتور في هذا السياق قائلا:
” منذ ثلاثين سنةً، لم أجد منه يومًا من الأيام زلة منه إليَّ ، بل وجدتُ منه كلَّ جميل ”
ويقول أيضًا : بأنه سمع زوجته ” السيدة أم حسين” ـ حفظها الله ـ تقول في حقه :
” لم أر منه إلا كل مودة ومحبة وأدب ولطف وأخلاق … “.

ج ـ علاقته بأرحامه
” كانت علاقته وطيدة جدًا بأرحامه، محبوب لديهم، يصلهم جميعًا ، ولا يقطع أحدًا منهم ”
هـ ـ علاقته بجيرانه
” كان محلَ احترامٍ وتقديرٍ من جيرانه سواءً في القديح أم في الناصرة ، فهو يشاركهم في أفراحهم وأتراحهم ، وقد كان مجلسهُ في القديح مفتوحًا لجيرانه وأصدقائه بشكل يومي ،وكذا الحال في مجلسه في الناصرة أيضًا ، فهو مفتوحٌ كلَّ ليلة ثلاثاء ،حيث العادة الحسينية الأسبوعية ، التي يقرأهاعنده الفاضل الشيخ سلمان العوى ـ حفظه الله ـ ،وقد كان يقرأها سابقًا له في القديح الخطيب الحسيني الملا علي آل توفيق ـ عليه الرحمة “.
وقد نقل لي جاره السيد شرف السعيدي ـ حفظه الله ـ بعد تواصلي معه ، “كنّا نلتقي كل ليلة إثنين أحد المجالس بشكل دوري ، نتبادل الأحاديث، ونتفقد أحوال بعضٍ البعض الآخر ، بحكم الجوار ،في الناصرة (ج) ، ونتداول احتياجات المنطقة ، وكان الفقيد يحضرتلك الجلسات ،ولا تزال هذه الجلسات مستمرة “.

وـ علاقته بمجتمعه
“هو اجتماعي بامتياز ، فتجده مشاركًا لمجتمعه في مناسباته السعيدة والحزينة ، يذهب لتلكم المناسبات بصحبة أصدقائه وجيرانه ”
” ورغم مشاركته للناس ، تجده إذا تحدث ينتقي ألفاظه بكل دقة ، وينصتُ لمتحدثه بشكل جيد ، ويزن كلامه بميزان العقل والشرع قبل التحدث به ”
” ودائمًا ما كان يردد كلمته الجميلة التي تنم عن وعيه المميز :
( من النقاش ينبثقُ النورَ ) .
ويمتازعن الكثيرين من مجايليه أنه كان متفائلًا ، ويدعو للتفاؤل ، مرددًا بيت الشاعر المهجري ” إيليا أبوماضي ” :
قالَ السماءُ كئيبةٌ ! وتجهمَا قلتُ: ابتسمْ يكفي التجهمُ في السما !

زـ تدينه ( الجانب الروحي )
“كان متدينًا بكل ما للكلمة من معنى في سلوكه ، وتصرفاته، وتعامله الصادق مع الناس ، إضافةً إلى تعلقه الشديد بالقرآن الكريم تلاوةً وتدريسًا للناشئة منذ سنوات حياته الأولى ”
” وقد كان يتعمدُ في بعض الأحيان الصلاة في بيته فرادى ،مع قدرته على الالتحاق بصلاة الجماعة ، رغبةً منه في أن يراه أبناءه يصلي أمامهم فيكون محل اقتداء لهم ـ كما صّرح لي بذلك .”

ح ـ ثقافته
” لديه مكتبةٌ صغيرةٌ ، لكنها تمتازُ بعناوين مختارة بعناية ،تستفزك لقراءتها ، كما كان متابعًا جيدًا لمجلة (العربي) ، الصادرة عن وزارة الإعلام الكويتية .
كما محبًا للشعرَ والأدبَ ، ويحفظ ُالكثير منه .
وكان صاحبَ خطٍ جميل ، يوثق كثيرًا من الأمور بالكتابة “.

وختم الدكتور العبيدان قوله :
” العم أبوحسين ـ رحمه الله ـ من الشخصيات الإيمانية ، التي تذكرك سيرته بسيرة المؤمنين الراحلين من بلدة القديح ، أمثال :السيد علي الشرفا ، والحاج عبدالنبي المسباح ، والحاج محمد الزين ، وملا حسن المقيلي …وغيرهم من هذه العينات المؤمنة ـ رحمة الله عليهم جميعًا ـ الذين هم محل اقتداء وتأسي للأجيال القادمة .

ما أضافه ابنه الأكبر ” حسين ” ـ حفظه الله .
” كان الوالد ـ عليه الرحمة ـ مواظبًا لصلاة الجماعة مع سماحة الشيخ عبدالعظيم الشيخ ـ حفظه الله ـ في مسجد العباس ، الكائن في غرب القديح ، وكان يقرأ الأدعية والتعقيبات لسنوات طويلة .
وكان يقرأ القرآن الكريم في البيت بشكل يومي ، فإذا جاء شهر رمضان المبارك من كل سنة ، كثفَّ قراءته له ، وصلواته المستحبة ، وصلة الأرحام “

رحمة الله على الحاج أبي حسين ، وحشره مع المعصومين عليهم السلام وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open