الرئيسية / مقالات / الفقير طاقة كاسدة أم كامنة؟

الفقير طاقة كاسدة أم كامنة؟

هلال الوحيد

عندما نفكر في الفقير غالبًا ما تقفز إلى أذهاننا صورةُ شخص لا يستطيع العمل أو لا يجد عملًا، قوةٌ كاسدةٌ تتمثل في شخصٍ زاهد في العمل، ينتظر يد المحسن أن تمتد إليه وتعطيه ما يكفيه لقوتِ يومه. لكن ماذا لو فكرنا أن الفقير في أغلب الأحيان طاقة كامنة وشعلة تنتظر التأهيلَ والتدريب والفرصة لتندفع نحو الخارج وتمارس دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا دون الحاجة لمد اليد إلا في ما ندر؟ طاقة تبني وتزرع وتصنع، لا تعتذر عن العمل ولا تمتنع عن كسب قوتها بيدها.

هكذا دلنا عليها وعرفها النبيُ محمد (ص) عندما أتاه رجل من الأنصار فقال له النبي: أما في بيتك شيء ؟ قال: بلى: حِلْسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعبٌ نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما، فأَخذهما رسولُ الله وقال: من يشتري هذين ؟ قال رجل: أنا آخذهم بدرهم، قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأَعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به… فشد فيه رسول الله عودًا بيده ثم قال: اذهب فاحتطب وبِعْ.. ولا أرينَّك خمسة عشر يومًا. فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاءه وقد أصاب دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا.

تتغير الوسائل تبعًا للزمان والمكان ويبقى الهدف الأساس والأسمى أن يمتد حبلُ النجاة للفقير متمثلًا في التأهيل والتجهيز ليحصل على عملٍ ودخلٍ مستدام يصون به ماءَ وجهه عن ذلِّ سؤالِ الناس ولو في بيع الحطب. وتبقى مهمة التأهيل على الجهات والمجتمع والأفراد القادرين عليها. كما تبقى مسؤولية الفقير القادر على العمل ان يمشي وينهض ويصطف مع السعاةِ والعاملين والكسبة ولن يحرم الله من عطائه من قصده بصدقٍ وإخلاص.

في الحياة الكثير من الفرص لمن يصبر عليها ولا يتأفف منها، وفي العمل الحر ما يكفي لسد الحاجة. فمثلاً حين فقد شاب وظيفته مع المؤسسة التي كان يعمل فيها تفرغ في فصلِ الصيف لتنظيف وحدات تبريد المنازل، مهنة لا تحتاج سوى الوقت والجهد المتواضع. وآخر تعلمَ بعض الإصلاحات المنزلية البسيطة في السباكة والكهرباء، وآخر عمل في خدمة المنازل والبستنة، وآخر في ميكانيكا السيارات، ثم يأتي عامٌ فيه يغاثون ويعودون لوظائفهم أو وظائف أفضل منها.

ليس في تعريف الفقير أنه الشخص الذي يسهر الليلَ كله وينام النهارَ بِطوله، ويعيش عالةً على غيره. بل هو شخصٌ كبا جواده وعثر في البحث عن فرصةٍ تعيد له توازنه، فهو دائم البحث عن تلك اللحظة التي يحتاج من يعينه على التقاطها، فمتى ما استطاع أن يعود كاسبًا قوته بنفسه كانت من أسعد لحظات حياته وأعظمها بهجة. وهي غالبًا تأتي في علمني كيف أصطاد واعطني شبكًا ولا تعطني سمكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open