الرئيسية / مقالات / ما الثورة الدينية ؟

ما الثورة الدينية ؟

سلسلة كتاب في مقالة
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2020 – 7

● اسم الكتاب : ما الثورة الدينية ؟
الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة

● اسم المؤلف : داريوش شايغان

● ترجمة : محمد الرحموني

● الناشر : دار الساقي – لبنان

● الطبعة : الثانية – 2011

● عدد الصفحات : 325 صفحة

☆●☆●☆●☆●☆●☆

نحن والغرب ، الشرق والغرب ، آسيا وأوربا الغربية ، عناوين لا تقف عند واضعيها إلا لبيان فكرة أصبحت متداولة في عالم البحث والمعرفة كمفردة تعبر عن وجود عالمين مختلفين في مسيرة الإنسان ، عالم الروح وعالم العقل . فالمشارقة أو الحضارات الآسيوية القديمة الصينية والهندية والإسلامية لها قواسم مشتركة ابتنت عليها حضارتها ، ولكن قاسمها الأعلى هو أنها حضارات روحية ، في حين أن أوربا بنتاجها القديم اليوناني وبحضارتها الغربية الحديثة التي انطلقت منذ خمسة قرون ولا زالت تهيمن على العالم تعد حضارة عقلية ، ومن هذا الفارق الجوهري بينهما يقدم المؤلف شايغان كتابه ؛ لشرح وبيان المأزق والمعضلة لدى الحضارات التقليدية القديمة التي تعانيه في قبال حداثة الحضارة الغربية المهيمنة على واقعنا المعاصر . بفصول الكتاب الستة يستعرض المؤلف فيها جذور المأزق لهذه الحضارات التقليدية ، وعلى أساس ما خرج به من نتائج يقدم حلا لهذا المأزق ، فهل استطاع أن يقدم حلا له ؟

للاقتراب من خريطة الحل التي رسمها المؤلف في ذهنه لابد من الإلمام بأسس الرؤية الشمولية والخطوط العريضة لهذه الرؤية . فالمؤلف انطلق من قاعدة كلية هي أن العالم مقسم إلى قسمين لا ثالث لهما ، فهناك عالم الشرق الكبير القابع على قارة آسيا المترامية الأطراف الذي يحوي بداخله حضارات العالم القديمة الصينية والهندية والعربية الإسلامية بما فيها مصر وشمال أفريقيا. فأسست هذه الحضارات على بنى فكرية كبرى وإن اختلفت في حيثيات من هنا وهناك ، إلا أن قاعدتها واحدة ، فما هي ؟
هذه القاعدة هي أن الحضارات التقليدية تتموضع وتدور حول ( مركز لا مرئي ) هو في الآن نفسه المركز المؤسس ( للآنسان الروحي ) ؛ لذا “هي تتميز بتجانس بنيوي في تجربتها الميتافيزيقية ، سواء تعلق الأمر بطرائق النزول من الواحد إلى الكثرة ، أو بالتقابلات السحرية التزامنية بين مختلف مستويات الوجود ..” . فبنية الكون التراتبية في هذه الحضارات ليست ثنوية كما جرى تفسيرها لاحقا مع ديكارت ، بل ثلاثية . فعلى مستوى الكون الأكبر تتطابق العوالم الثلاثة ، أي عالم الظواهر الحسية وعالم الخيال وعالم الروح مع الثلاثي : الجسم ، النفس ، والروح “. لقد انهارت هذه البنى الكبرى ابتداء من العهد الاستعماري ودخلت في فلك الغرب ، فأضاعت ( عالم الروح ) ، فانهارت بموزاة ذلك رؤية العالم التراتبية ، وقوسا النزول والصعود والبنية الثلاثية وعلم اللاهوت ،، وغيرها مما يعد إرث تلك الحضارات الروحي ورؤيته للكون والإنسان .

” أحدث انبثاق العصر العلمي التقني في القرن السادس عشر الميلادي تغيرا مذهلا في وعي الإنسان بذاته وبمركزه في العالم ، ومهد لحدوث التحول الثقافي الثاني للبشرية ” ، والذي شرحه المؤلف بشكل مفصل في الباب الثالث تحت مسمى ( الفجوة الأساسية ) والتي تعني في بعدها الزمني القرون التي سبقت حركة الأستعمار الأوربي ، فقد نزعت أوربا عنها رداء عصور الظلام وبدأت يقضتها ونهضتها العلمية بعصر الأنوار ، وبدأ قطارها المعرفي في انطلاقة لا يكاد أحد يعرف في أي محطة سيقف . هذه الفجوة العلمية والتقنية للحضارة الأوربية صيرتها بعيدة إلى الحد الذي أصبح يطلق على عوالم الحضارات التقليدية بالعالم الثالث في سلم المستويات الحضارية ، فكيف تعاطت هذه الحضارات مع الحضارة الغربية الوافدة عليها ؟

يرى المؤلف أن ” العالم التي تعيش فيه هذه الحضارات اليوم – حتى لوافترضنا أنه يعيد إنتاج نظام الأشياء القديم هو عالم ذو مرايا مهشمة تشوه حالا ، واستباقا لأي وعي ، الأنوار التي تنعكس عليها .” وفي سياق الحضارات غير الغربية يغدو التخلف وهو يتخذ مظهر محافظة وهمية على القيم الروحية لثقافة ما ، عقبة أمام صحو الفكر الذي ينشده الوعي المنبثق عن المرحلة الأخيرة من مراحل العدمية “. ” ومن ناحية تنساق هذه الحضارات وراء حركة تاريخ ذي اتجاه واحد لم تشارك في صنع أحداثه ، ومن ناحية أخرى تبقى محرومة من الوعي الذي يحمله هذا التاريخ بداخله ..”، فهي تعيش ( الوهم المزدوج ) والذي يميزها ويتجلى من ناحية في شكل تغرب سلبي وغير واع “. ويقول في مكان آخر :” إننا لا نملك في الوقت الراهن لا ذلك الاندفاع القادر على إرجاعنا نحو مشكاة الأنوار النبوية ،،، ولا كثيرا من الحرية والعزم . إننا مبعدون من الأول ، وغير مهيئين للثاني ، فنحن إذا في رأي الجميع في مرحلة “” البين بين “” . وإن هذه الحقيقة هي التي تجعلنا ضعفاء أما الصدمات ، وتجعل ردود أفعالنا غير متوقعة على الإطلاق “. ” إننا نخشى أن نبقى في الخلف ننتظر إلى ما لا نهاية في كواليس التاريخ . وحتى عندما نعيد إحياء أصنامنا الذهنية بعنف وننطلق من دون كابح في مغامرة ، من المفروض أن تخلصنا من هيمنة الغرب ، نسقط إذ ذاك في شراكه ، لأن ضغينتنا العمياء تقعدنا عن كل نظر نقدي حقيقي تجاهه “.

يقدم المؤلف نتيجة دراسته لمرحلة البين بين للحضارات التقليدية ، ومحاولتها الخروج من هذه الحالة المتأرجحة والبحث عن حل يرضيها فتقع فيما اصطلح عليه ب” أدلجة المأثور الديني ” ! فما الأيديولوجيا ؟ . يرى المؤلف أن الأيديولوجيا تؤدي اليوم الدور نفسه الذي أدته الميثولوجيا في العالم القديم . فهي ، من ناحية ترضي الروح الجماعية لمعتنقبها برؤيتها لمجتمع مغلق وتزعم من ناحية أخرى أنها علمية أي مطابقة للتجربة والواقع . وإذا كانت الأيديولوجيا تتوفر على شحنة انفعالية كبيرة تقرب الشقة بينها وبين العاطفة الدينية ، وعلى جهاز منطقي عقلي يعطيها مظهرا علميا وفلسفيا ، فإنها ليست في الحقيقة علما ولا فلسفة ولا دينا “. ” إنها تشكل التبلور النظري لشكل من أشكال الوعي الزائف “. إذن ، فنتيجة محاولات تلك الحضارات للخروج من مأزقها الحالي ” البين بين “” هو الوقوع في الأدلجة الدينية والتي هي تغرب سلبي زائف لا يثمر حلا ولا خروجا ، بل انتكاسة ووهما وتغربا أكثر فأكثر ” فالتغرب اللاواعي والخطير إلى درجة أن الذين يدعون مواجهة الأشكال الفكرية المهيمنة هم أنفسهم الذين يفتتنون بها رغما عنهم . فهم المخدوعون إذ ينكرون المبادئ التي هم في الحقيقة لها خاضعون من غير دراية .

بعد مسيرة طويلة وشاقة في فصول الكتاب لاستعراض البنى الفكرية الكبرى للحضارات التقليدية والمقارنة بينها ، وبيان وشرح مسيرة تطور الفكر الغربي المهيمن على واقعنا المعاصر بحضارته وتأرجح تلك الحضارات في مأزق ” البين بين ” واتساع الفجوة بين عالم الروح وعالم العقل ، يقدم المؤلف في مغامرته الفكرية في كتابه هذا حلا للخروج من هذا المأزق وحالة التأرجح ” البين بين ” .
يقع الحل عند شايغان في بعدين أو جهتين هما :
أن يكون هناك حج غربي لتراث الشرق ، شرق الأنوار ، وقد حقق هذا الحج أستاذ شايغان المستشرق الفرنسي المعروف هنري كوربان ؛ لتتم الصلة بين العالمين الشرقي والغربي . وفي المقابل لابد من حج مشرقي تجاه الغرب وهو مالم يتحقق إلى الآن ، بل يرى المؤلف أن أحفاد السهروردي عاجزون عن رسم المسافة المعاكسة ؛ أي إعادة تتبع الطريق
التي تنطلق من السهرودي وتنتهي إلى هيدغر .لماذا ؟ فعلى الشرقي أن يغترب عن مأثوره وأن يعيش من جديد المصير الكوني لزمن الضيق ، وأن يلتحق بأخيه الغربي في مجمع البحرين ، هناك تلتقي الرسالتان “.

■ تقييم الكتاب …

الموضوع الذي عالجه شايغان في هذا الكتاب ليس موضوعا جديدا ، بل هو موضوع قديم جدا. وكان له عنوان شاع في عالم الثقافة وهو ( الأصالة والمعاصرة ) أو بمسميات قريبة منه كالتراث والمعاصرة . غير أن المعالجة للموضوع بين كاتب وآخر تختلف باختلاف الثقافة والرؤية والأسس التي ينطلق منها ذلك الكاتب . فشايغان وصف معالجته للموضوع بالمغامرة ؛ نظرا لتبنيه أطروحة جديدة في معالجة الموضوع مغايرة للآخرين ، بل مغايرة في نتائجها أيضا .
إن الكتاب به صعوبة اعترف بها المؤلف نفسه ، حيث عالج الموضوع ببعد فلسفي ؛ مما جعله عسيرا في بعض الجوانب والأبعاد عند معالجته للأفكار الكبرى ، والصعوبة ازدادت عندما أفصح المترجم أن شايغان يحيل على الكثير من المراجع الفارسية والفرنسية والإنجليزية ، وهي اللغات التي يجيدها ، فضلا عن اختزاله للكثير من الموضوعات والأفكار.

الكتاب يمثل نموذجا للمثقف الشرقي البائس والمنهزم في ذاته تجاه الحضارة الغربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open