الرئيسية / مقالات / تاريخ التصوف في الإسلام

تاريخ التصوف في الإسلام

■ سلسلة كتاب في مقالة
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2020 – 10

● اسم الكتاب : تاريخ التصوف في الإسلام .

● المؤلف : د. قاسم غنى .

● الناشر : دار نينوى

● الطبعة : 1438 – 2017

● الصفحات : 684 صفحة

☆●☆●☆●☆●☆●☆

كأي حضارة من الحضارات البشرية التي سبقتها تتشظى كلما أوغلت في الزمن وتباعدت عن مصدر نبعها الصافي ومركزها . تتشظى سياسيا فتتولد الأقاليم كلما اتسعت رقعتها الجغرافية وتمددت ، وتتشظى فكريا كلما تداخلت وتمازجت مع أديان وأفكار الأمم والحضارات القديمة؛ لتمتزج في كينونتها فتعيد انتاجها بصيغتها الحضارية الحالية التي ترتئيها. أديان وأفكار شتى تمازجت في داخل الحضارة الإسلامية ، منها ما ضعف واندثر بلا أثر ، ومنها سرعان ما تبرعمت بذرته عندما وجد أرضا خصبة لنموه فأينع وأثمر وتجذر .
من بين تلك الأفكار والتيارات الدينية القديمة التي بقيت في ساحة المشهد الفكري على امتداد جغرافية الحضارة الإسلامية تيار ” الصوفية ” فعني به قديما وحديثا ، فكتبت الموسوعات في طبقاته ودونت وشرحت طرقه ، فكان من المحدثين الذي اعتنى بدراسته ووضع تاريخا له الدكتور قاسم غنى . فهل ” الصوفية ” وليدة الحضارة الإسلامية ، أم هي وافدة عليها ؟ ، هذا ما سوف يعرفنا عليه المؤلف عبر فصول كتابه ، فمن هو المؤلف ؟

قاسم غنى هو طبيب إيراني ولد في سبزوار سنة ١٣١٦هج ، كان والده مزارعا تواقا إلى الفلسفة والأدب ، وقد أدرك الحلقات العلمية للفيلسوف ملا هادي السبزواري ، فأثر ذلك في نجله الدكتور قاسم في مسيرته العلمية فنشأ على تذوق الأدب والفلسفة . التحق بمدرسة دار الفنون القديمة ، ثم انتقل إلى بيروت فنال هناك درجة الدكتوراه في الطب ، وحصلت له الإحاطة الكاملة باللغة العربية وآدابها . تقلبت به الأيام بعد ذلك ، فاشتغل بالطب بين معالج ومحاضر ، ثم
هاجر إلى فرنسا لإكمال دراسته العلمية . انتخب نائبا في مجلس الأمة لعدة دورات ، ثم أصبح وزيرا للصحة ١٣٦١ هج، ثم وزيرا للمعارف ، ثم سفيرا في مصر ، وتركيا .حطت به الرحال في أمريكا للعلاج فمات سنة ١٣٧٢ هج في لوس أنجلوس . فهو يعد أحد مشاهير العلم والأدب والسياسة في العصر الحديث في إيران .

هدف المؤلف من تأليف هذا الكتاب ليس إرادته المباشرة في كتابة تاريخ الصوفية كتاريخ لأنه منشغل بها ، بل إرادته كانت كتابة دراسة عن حياة الشاعر الإيراني المشهور ” حافظ الشيرازي ” ، فلزم من ذلك الإحاطة بوصف جميع جوانب الحياة التي تحيطه وتؤثر فيه نفسيا وعقليا وقلبيا حتى أتى بروائع شعره ، فالإنسان ابن بيئته كما في المقولة المشهور ، وحافظ ابن بيئته ، ومن أبرز ملامح بيئته هو ” التصوف ” ، لذا كان لزاما على المؤلف أن يدرس التصوف لتكون دراسته أعمق في فهم حافظ فكان صدور هذا الكتاب ” تاريخ التصوف ” ١٣٦٢هج.

ارتأى المؤلف أن يدرس التصوف الإسلامي من جذوره ومنابعه الأولى ، ويسير في ركابه عبر القرون إلى القرن الثامن قرن حافظ ، يقول المؤلف ” ..إنه ينبغي لفهم آراء حافظ الصوفية ومفهومه للتصوف أن نقوم بتحقيق في التصوف الإسلامي ومبادئه ومنابعه الأصلية ، والتطورات التي طرأت عليها في العهود المختلفة ؛ كي تتضح كيفية ظهور التصوف بين المسلمين ، والعوامل الخارجية والداخلية التي أثرت في ظهوره وتكامله ..” . فما هو التصوف ؟

في طيات الكتاب نقف على أن التصوف لم يستقر على تعريف واحد ، فنجد تعاريفه بعدد مدارسه وأكابره عبر القرون . غيرأن المؤلف يعطينا تعريفا صاغه من دراسته للتصوف فيقول فيه :” التصوف أو العرفان في نظر المسلمين هو طريقة يمزج الدين فيها بالفلسفة ، ويرى معتنقوها أنها هي وحدها الكفيلة بالوصول إلى الحق ، وهذا الوصول إلى الكمال والحق متوقف على السير والسلوك والتفكير والمشاهدة التي تؤدي بصاحبها إلى الوجد والحال والذوق ، وتوصل الإنسان في النهاية بطريقة رمزية إلى الله تعالى ، وسالكو هذا الطريق يعرفون بالصوفية أو العارفين وأهل الكشف ، وهم يسمون أنفسهم بأهل الحق “. ويتساءل المؤلف : هل التعاليم الإسلامية أوجدت بنفسها طريقة عرفانية خاصة ؟ أم أن العرفان قد ظهر تلقائيا نتيجة الميول الذاتية والوراثة الطبيعية في البشر – كما كانت عليه الشعوب الأخرى التي سبقت الإسلام – ثم تأثر بعد ذلك ببعض الظروف والأحوال السياسية والدينية والاجتماعية وغيرها ، مما أدى إلى بلوغه درجة الكمال والنضج ؟

بسط المؤلف سبعة آراء في نشأة التصوف في تاريخ الإسلام وبعضها لمستشرقين ، نعرضها باختصار ، وهي :
١- ظهر التصوف لدى الإيرانيين خاصة بعد سقوط دولتهم الساسانية إبان فتوحات المسلمين ، نتيجة التباين بين شخصية العربي والإيراني خصوصا الروحية منها ، فانعكس ذلك باعتناقهم للتشيع أولا والتصوف ثانيا .
٢- وجود المشابهة التامة بين أغلب مسائل التصوف الإسلامي وبعض الفرق الهندية ، بل ذهب بعضهم إلى أن التصوف وليد التفكير الهندي .
٣- إن التصوف الإسلامي إنما نشأ عن الأفكار الفلسفية ، ولا سيما الفلسفة الأفلاطونية الحديثة ، ودليلهم وجود شبه كبير بين فلسفة الإشراق والتصوف .
٤- إن التصوف نشأ بنفسه تلقائيا ومستقلا بين المسلمين .
٥- إن مصدر التصوف الإسلامي إنما هوالمسيحية والرهبنة .
٦- إن الأفكار البوذية هي المصدر الأكبر للتصوف .
٧- إن التصوف هو لباب باطن القرآن والأحاديث النبوية ، عبر تزكية النفس وتصفية الباطن .
فأي من هذه الآراء هو الصحيح ؟

مرت حقب طوال قبل أن يصل التصوف إلى نضجه وكماله ، وفيما يلي سنستعرض حقبه التي مر بها مبينين أعلام كل حقبة من الحقب :-

● المرحلة الأولى / صدر الإسلام .

كان المسلمون في صدر الإسلام يعيشون حياتهم الطبيعية من الاهتمام بأمور المعاش وشؤون الدنيا من طلب الرزف والكفاف . وكان الخوف أهم عامل في حياة المسلم الدنيوية في القرن الأول : الخوف من المعصية ، والخوف من الموت ، والخوف من حساب يوم القيامة. هذه المقدمات دفعت ببعض المسلمين ممن عرفوا أن لأحكام الشرع ظاهرا وباطنا ، وكانوا يهتمون بالوجهة الباطنية والمعنوية للأحكام ، إلى العزلة والزهد ، وهو الذي عرف لاحقا في أواخر القرن الأول وظهور ما اصطلح عليهم “الزهاد العباد” . فكان من بينهم أبو ذر الغفاري ، وحذيفة بن اليمان ، وأويس القرني ، والحسن البصري ، فكانت النواة للتصوف ، ولم يكن التصوف في هذه المرحلة سوى طريقة عملية لا مذهبا نظريا . ومما ساعد على نمو التصوف في هذه المرحلة عاملان هما :-
أولهما ، بساطة حياة العربي ، وثانيهما : هي الإبتعاد عن الإضطرابات السياسية والطغيان والحروب التي فشت في العهد الأموي ، فضلا عن الإبتعاد عن الإنهماك في ملذات الحياة الدنيا بطلب الآخرة .

● المرحلة الثانية …

بدت ملامح التصوف في هذه المرحلة في التشكل ، وأولها ظهور مصطلح ” الصوفية ” ليوضع كعلم على أناس في المجتمع الإسلامي تجمعهم صفات مشتركة . كان ظهور الاسم قبل سنة مئتين من الهجرة ، في النصف الثاني من القرن الثاني ، حيث أن ظواهر أحوالهم وسيرهم وسلوكهم لا تشبه عامة الناس . كانوا يرتدون ملابس صوفية قروية ، وبعض هؤلاء شيدوا لأنفسهم صوامع بعيدة عن المجتمع ، وبعضهم لجأ إلى مغارات الكهوف ، وأخرى تجوب الصحارى . ومن أعلام هذه المرحلة إبراهيم بن أدهم ، وبشر الحافي ، ومعروف الكرخي ، ومالك بن دينار ، وشقيق البلخي ، ورابعة العدوية . يقول المؤلف :” وإذا دققنا النظر في مجرى حياة صوفية هذا العهد وتأملنا أقوالهم ، رأينا أنه لا توجد لهم أية أقوال عن عناصر العرفان الحقيقية ، ولا يوجد لهم من الأقوال الأساسية للصوفية كالحب الإلهي ، ووحدة الوجود ، وما شابه ذلك بأسلوب واضح صحيح ” ، وإن كان ثمت شيء من ذلك في آثارهم . كما أن صوفية هذا العهد معتدلون يراعون ظواهر أحكام الشرع ، ويعدون متشرعين بصورة كلية ، ولا يعدهم سائر المسلمين أهل بدعة . كانت كلمة ” صوفي ” نالت شهرة في بادئ الأمر في الكوفة ، ثم أصبحت أهميتها كبيرة بعد نصف قرن في بغداد ، وأول من اشتهر في بغداد بهذا الاسم ( عبدك الصوفي ) . كما أصبح مصطلح ” الصوفية ” يقصد به جماعة عرفاء العراق بإزاء جماعة ” الملامتية ” عرفاء خراسان ، غير أن شيوع مسمى الصوفية وانطباقه على عموم عرفاء المسلمين كان في القرن الرابع الهجري .

● المرحلة الثالثة …

يقول المؤلف :” … يمكن القول بأن التصوف الحقيقي قد بدأ منذ القرن الثالث الهجري ” ، ومرد ذلك راجع إلى التطورات الفكرية وسير العقائد والآراء ، أي أن حالة النهضة في الأمة الإسلامية انعكست على جميع شؤونها ، فلم يكن التصوف بمنأى عن هذه النهضة . فالتصوف في هذا العهد قد دخل مرحلة جديدة ، فتجنب الصوفية الرياضة المنهكة وإماتة الجسم ، والافتخار بالفقر . وفحوى كلامهم هو أن الرياضة هي المرحلة الأولى لسفر طويل ، وأنها كتمهيد وتمرين لحياة روحانية أهم . إن أفكارا جديدة واصطلاحات وتعابير خاصة قد وجدت في هذا العهد ، من مثل : عدة الاعتناء بالمرقع ، ومظهر الدروشة والتصوف ، والاعتقاد بالزهد وترك الدنيا ، وأن العبادة ليست هي الهدف النهائي أو الغاية المطلوبة ، بل إنها مقدمة لهدف أعلى ، وعدم الإتكال على الطاعة ؛ لأن من الممكن أن تكون هذه الطاعة نفسها حاجبا عن الطريق أحيانا . وكذلك الاهتمام العظيم بالعشق والمحبة والقلب ، والذهول والهيام ، وعد العارف والمعروف شيئا واحد ، وأن كل شيء مظهر للحق ، غير أن أهم مظهر لمتصوفة هذا العصر وأعلامها هو الأخذ بعقيدة وحدة الوجود . وأبرز أعلام هذا العهد السري السقطي ، وذو النون المصري ، وبايزيد البسطامي ، والحسين بن منصور الحلاج ، وأبو بكر الشبلي ، والجنيد البغدادي ، الملقب بسيد الطائفة ، ولسان القوم ، وسلطان المحققين ، وأعبد المشائخ .”فقد كان مظهر الكمال المعتدل للتصوف ” على حد تعبير المؤلف ، وكان أول من أذاع علم الإشارات ، كما في ترجمته للعطار .
” لقد لفت هذا التغيير – للمتصوفة – نظر الناس إلى أفكار الصوفية وأقوالهم وسلوكهم ، ولا سيما الفقهاء الذين عدوا هذه الأقوال خطرا على جماعة المسلمين . واتهموا الصوفية بالبدع ، وأحيانا بالكفر والإلحاد ” . كانت ردة فعل الصوفية على تبديعهم أن ألجأتهم إلى تحبير وتسطير الكتب مستشهدين بالآيات والأحاديث والأدلة العقلية للدفاع عن أنفسهم ، وهي معارضة لأسس التصوف وأصوله ؛ حيث أن العرفاء منهم يقولون : “إن المرحلةالأولى للتصوف هي تمزيق الدفاتر ، وتناسي العلوم ” كما قال أبو سعيد أبا الخير . كان من انعكاسات نضج التصوف في هذا العصر أن ظهرت مدارس في طرقه على يد كبرائهم . فكانت ( طريقة السُكْر ) التي ظهرت على يد بايزيد البسطامي ، وشاعت بين صوفية خراسان ، و(طريقة الصحو ) على الجنيد البغدادي ، وقد حاول سالكوا هذه الطريقة أن يوفقوا بين التصوف والإسلام ، أي بين الشريعة والطريقة ، وأما الحلاج فسار سيرا متطرفا في ( طريقة وحدة الوجود ) ، كانت سببا في هلاكه بالإعدام على يد حاكم عصره . وخلاصة هذه المرحلة ، هي أن التصوف في هذا العصر أصبح يعطي التفكير والتدبر وإنعام النظر أهمية كبيرة ، أكثر من القيام بالرياضات الشاقة . فالناحية النظرية للتصوف صارت أكثر أهمية ، وتغلبت على الناحية العملية في هذا العصر .

أصبح لكل طريقة شيخ ومرشد وقطب ، وتفرقوا فرقا كثيرة ، لكنهم استقروا على أساس نظري ثابت في أوائل القرن الخامس ، فيقول الهجويري في كتابه [ كشف المحجوب ] وهو من مؤرخي القرن الخامس الهجري :” .. إنهم اثنتا عشرة طائفة اثنتان منها مردودتان ، وعشر منها مقبولة ..”. وهذه الفرق هي :-
١- (المحاسبية) تنتمي إلى أبي عبدالله المحاسبي .
٢- ( القصارية ) نسبة إلى حمدون بن أحمد القصار .
٣- ( الطيفورية ) أتباع بايزيد طيفور بن عيسى البسطامي .
٤- ( الجنيدية ) أتباع الجنيد البغدادي .
٥- ( النورية ) أتباع أحمد بن محمد النوري.
٦- ( السهلية ) أتباع باسهل بن عبدالله التستري .
٧- ( الحكيمية ) أتباع محمد بن علي الحكيم الترمذي .
٨-( الخرازية ) أتباع أبي سعيد الخراز .
٩- (الخفيفية ) أتباع محمدالخفيف .
١٠-( السيارية ) أتباع أبي العباس السياري.

أما الفرقتان المطرودتان اللتان يذكرهما الهجويري فهما من أتباع الحلولية ؛ أي القائلين أن الذات الإلهية ممكن حلولها في البشر ، وهما فرقتان :
١-( الحلمانية ) أتباع أبي حلمان الدمشقي ، وكان متهما بالحلول والإباحة .
٢- ( الفارسية ) أتباع فارس الدينوري ، الذي اجتمع حوله جمع من تلامذة الحلاج ، فكان متهما بمذهب الحلول والامتزاج وتناسخ الأرواح .

■ عقد المؤلف بعد ذلك فصولا لبيان سير ومسيرة التصوف إلى عصر حافظ من دون تسميتها بالمراحلة ، بل عنونها بعناوين القرون . فبعد أن عرض ما أوجزناه من نضج وتكامل التصوف في القرون الأربعة الهجرية ، عقد هذا الفصل باسم :- ( التصوف منذ القرن الخامس حتى عصر حافظ الشيرازي ) ، فما الذي سيضيفه المؤلف في هذا الفصل بأقسامه وقرونه ؟

● التصوف في القرن الخامس .

” إن القرن الخامس الهجري قرن سيطرة سلاجقة الأتراك على بلاد إيران يختص بانتشار التعصب والخرافات ، والاشتغال بظواهر الشرع والمنازعات الدينية بين الفرق الإسلامية المختلفة ، ومعاداة العلماء بعضهم لبعض ، وغلبة الظواهر الجافة على الفلسفة والأبحاث العلمية الحرة ، واستخدام العلم والمعرفة لغرض المجادلات الدينية ، وتحديد المسائل العلمية بالأحاسيس المذهبية “. والحاصل أن هذه الأوضاع أدت إلى خروج العلم من محوره الحقيقي ، وهو البحث في حقائق الأشياء ، كما آلت إلى انحطاط مستوى تفكير العلماء وضياع أوقاتهم في الخصومات ، وأنعكست صورة هذا العصر صوفيته لا سيما صوفية الجزء الأخير منه ، فكانوا على جانب عظيم من التعصب والجمود ، ومتابعة ظواهر الشرع . وفيه ظهر الغزالي فقام بتكفير الفلاسفة وألف كتابه المشهور [ تهافت الفلاسفة ] ، كما نجد الخواجة عبدالله الأنصاري أحد الصوفية قد تجرد من التحرر الفكري وصفاء الضمير المتوقع من شيوخ الصوفية ، ورأى طريق الوصول إلى الحق في العمل بظواهر المذهب الحنبلي ! . وبرز في هذا القرن من أعلام الصوفية : الشيخ أبو علي الدقاق ، والشيخ أبو الفضل حسن السرخسي ، والشيخ أبوعبدالرحمن السلمي النيسابوري ، والشيخ أبوالحسن الخرقاني ، والحافظ أبو نعيم الأصفهاني مؤلف حلية الأولياء ، وأبو سعيد فضل الله بن أبي الخير الميهني ، وبابا طاهر العريان الهمداني صاحب الرباعيات ، وأبو الحسن علي بن عثمان الهجويري الغزنوي صاحب كتاب كشف المحجوب ، وأبي حامد الغزالي مؤلف إحياء العلوم .

● التصوف في القرن السادس .

يقول المؤلف واصفا هذا القرن وحاله بعبارة موجزة تغني عن الإطالة والبيان :-” إن الكليات التي ذكرت عن القرن الخامس تصدق على القرن السادس أيضا ، حتى أن التعصب وضيق الأفق والنفوذ المذهبي يزداد شدة بالنسبة إلى الفلسفة والعلم ..”.
غير أن المتصوفة في هذا القرن كانوا موضعا لاحترام أغلب الناس وتكريمهم ، حتى الأمراءوالسلاطين . كما أن مشايخ الصوفية صبغوا طريقة التصوف بصبغة الدين والمذهب خوفا من اضطهاد أهل الظاهر والفقهاء لهم ، فأضفوا على التصوف والعرفان في كتبهم ظاهرة تتقبلها أذواق العوام من الناس . يضاف إلى ذلك مغالاة المريدين في بيان المقامات الروحية لمشائخهم ، ونسبة علم الغيب والإشراق إليهم ، ومقدرتهم على إظهار الكرامات وخوارق العادات ، مما زاد في شأنهم ، وحدا بالملوك والأمراء إلى أن ينظروا إلى شيوخ الصوفية نظرة احترام وتعظيم ممزوجة بشيء من الخوف والرهبة . ومن جهة أخرى ، حركت جاذبية الفلسفة وعلم الكلام التصوف فأدخلت الأبحاث الفلسفية والكلامية حوزة التصوف ، فأصبحت قضية أساسية تدور حولها الأبحاث ، كمسألة حقيقة الله والعالم ، ومسألة المعرفة ، ومسألة علة التكوين ، ومسألة ربط الحادث بالقديم ، ومسألة وحدة الوجود ، بشكل علمي منهجي ، وهو ما لم يكن بارزا في القرن الخامس . ومن أشهر أعلام الصوفية في هذا القرن : الشيخ عبدالقادر الجيلاني ، وقبره معروف ببغداد ، وقد أسس الطريقة القادرية ، السيد أحمد الرفاعي ، وأبو مدين المغربي أستاذ محيي الدين بن عربي . والشيخ روزبهان البقلي ، ونجم الدين الكبري الملقب بالطاقة الكبرى ، والشيخ فريدالدين العطار من أعاظم العرفاء .

● التصوف في القرن السابع .

يوجز المؤلف وصف هذا القرن بهذه الكلمات فيقول :” تصوف القرن السابع امتداد لتصوف القرنين الخامس والسادس ، الذي بلغ درجة النضوج والكمال بظهور كبار العارفين ، ولا سيما محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي … غير أن حادثة ظهور المغول المتوحشين الظلمة وسيطرتهم على كافة بلاد المسلمين تقريبا أدت بالحال إلى أسفل درك من مراحل التعاسة والإنحطاط المادي والمعنوي ” ، والذي امتد إلى القرن الثامن عصر حافظ الشيرازي .
لقد استطاع التصوف أن يدخل حوزة العلوم الرسمية في هذا العصر ، سائرا كبقية العلوم الرسمية ، بل أصبح منصب ” شيخ الشيوخ ” في عداد المناصب الرسمية في الدولة ، وأما أماكن تجمع المتصوفة المعروفة بالخانقانات فقد كثرت وأصبحت تعد من المراكز الإجتماعية الهامة . كما أصبحت كتب كبار الصوفية من مثل( فصوص الحكم ) لبن عربي و ( الفكوك ) لصدر الدين القنوي و( اللمعات ) للعراقي و ( ديوان ابن الفارض ) متونا للدراسة لأهل التصوف . كان التعليم في الخانقاهات على قسمين : أولهما ، التعليم الشفهي فيشمل النصائح والمواعظ التي يلقيها المرشد . وثانيهما ، التعاليم العملية والمقصود بها الرياضات كالصوم والصلاة والذكر والإعتكاف والسماع والسفر وغيرها . وأبرز أعلام هذا القرن ، هم :-
شهاب الدين السهرودي ، والشاعر ابن الفارض المعروف بلسلطان العاشقين ، وبن عربي والمعروف بالشيخ الأكبر ، فدون في كتبه أصول التصوف والعرفان ومسائل حكمة الإشراق ، ولا سيما مسألة وحدة الوجود حسب القواعد العقلية والأصول العملية على وجه الاستدلال ، وشمس تبريزي ، وجلال الدين الرومي ، وصدر الدين القونوي أشهر تلامذة بن عربي ، والشيخ العراقي ، وسعدي الشيرازي ، وسلطان ولد ابن جلال الدين الرومي ، وغيرهم .
وبعد هذه الرحلة الطويلة في الكتاب يعقد المؤلف فصلا مهما هو من أهم فصول الكتاب في نظري ؛ للإجابة عن سؤال ضمني لدى أي قارئ ، وهو : هل هناك مصادر غير إسلامية رفدت التصوف في الإسلام ؟ أو هل التصوف هو نتاج الإسلام أم هو وافد عليه ؟

■ مصادر التصوف غير الإسلامية .

يبسط المؤلف المسألة كالتالي ، فيقول : يجب ألا نجعل شيئا واحدا علة تامة في وقت من الأوقات ، بل يجب أن نتحرى عن العلل المتعددة . إن كل المنابع التي عدوها مصدرا للتصوف وحكموا بها صحيحة إلى حد ما ، وبمقدار معين ، وكل منها يعد جزءا للعلة التامة ، ولكن لا تعد أي واحدة منها علة تامة . وحقيقة الأمر أن التصوف طريقة مركبة معقدة، وكانت لها مصادر متعددة مختلفة ، والصوفية كانوا التقاطيين من حيث المذاق والسليقة ، ولم يقيدوا بقيد معين كالأناس المتعصبين الجفاة ؛ أي أنهم كانوا بمجرد أن يشاهدوا أمرا موافقا لعقائدهم وأذواقهم يأخذون به ، ولسان حالهم دائما هو : غصن الورد أينما ينبت هو ورد . والحاصل أنهم حصلوا على سنبلة من كل بيدر . ولكن ، بما أن التصوف كان مسلكا بالغ الحماسة وقوي الروح ، وأن نهضته حيوية ، وأن العناصر المختلفة التي أخذها الصوفية من المصادر المختلفة العديدة لم يتركوها جافة ساذجة ، بل إنهم أذابوا تلك العناصر الأجنبية في بوتقة ذوقهم الخاص ، وأبرزوها في صورة مستقلة ذات أثر في تركيب التصوف الممتزج عن طريقة تحليلها وتجزئتها ” .
لقد بين المؤلف لحقيقة التصوف بأن روافد هيكله لم تنشأ من الإسلام فقط ، بل كانت له روافد متعد٥دة ، فما هي أبرزها التي تركت بصمتها عليه ؟
يحصر المؤلف الروافد في :
١- الديانة المسيحية
٢- الفلسفة الأفلاطونية الحديثة .
٣- حكمة الإشراق لعرفاء ما قبل الإسلام .
٤- العقائد البوذية .
ولست أدري لِمَ لَمْ يدرج الديانة اليهودية أو التصوف اليهودي ؟ رغم اقراره بوجود التصوف اليهودي قبل الإسلام ، وإشارته إلى فيلون الحكيم اليهودي وأثره في القرن الأول الميلادي .

● الديانة المسيحية …

” .. إن المسيحية استطاعت أن تعلم صوفية المسلمين آدابا وعادات كثيرة عن طريق زمرة المتقشفين ، وفرق الرهبان المتجولين ..” ، كتأثرهم بلبس ” خرقة الرهبان ” المصنوعة من الصوف الخشن ، والسياحة ، وأما موضوع العشق والمحبةالإلهية اللذين صارا بعد ذلك من الموضوعات الصوفية المهمة ، يعدان أساسا خطيرا للمسيحية .

● الفلسفة الأفلاطونية الحديثة .

كان بدء الترجمة في أواخر الدولة الأموية ، ثم شرع الباب على مصراعيه إبان الدولة العباسية ، فترجمت العلوم ومن أبرزها المنطق والفلسفة ، وقد وجد العرب الفلسفة عند أقاربهم السريان ، واقتبسوها بجهد يسير . فلقد كانت الثقافة اليونانية حاضرة في المشرق العربي منذ احتلال الإسكندر وإلى مجيء الرومان بعدهم ، وشيوع الثقافة الهنلستية في الشرق العربي لفترة طويلة. ومما ساعد على انتشارها كانت المسيحية، حيث أن العهد القديم كان قد انتشر باليونانية قبل ترجمته . وحري بالالتفات إلى وجود رافد آخر لترجمة العلوم اليونانية ألا وهم الصابئة ، فهم الذين نقلوا الكتب السريانية إلى العربية ، حتى إنهم ترجموا بعض الكتب الفلسفية من اليونانية إلى العربية مباشرة . كان السريان يزاولون تعلم العلوم اليونانية وتعليمها منذ خمسة قرون قبل ظهور الإسلام ، بل امتد بهم الأمر وبالأخص النساطرة منهم بعد طردهم واضطهادهم على يد الإمبراطور زنون وإغلاق مدارسهم فاتجهوا صوب إيران وحطوا رحالهم في مدرستين هما : نصيبين وجنديسابور وذلك في عام ٤٨٩ م . وبعد ذلك ، وفي القرن السادس الميلادي طرد الإمبراطور حكماء الإسكندرية الوثنيين أصحاب الفلسفة الأفلاطونية الحديثة فالتحقوا بالنساطرة ، وانضم إليهم جماعات يهوديةوقبطية ممن كانت لهم صلة بالعلوم اليونانية . والحاصل أن هذه الجماعة قد أسهمت في نشر العلوم والمعارف اليونانية في ربوع الشرق ، وأن الفلسفة المسيطرة في القرون الوسطى فيما عرف ب ( الفلسفة المدرسية ) إنما كانت من صنعهم ، وأن رأس مال الفلسفة الإسلامية مأخوذ عنها ، وأن الفلسفة الأولى التي عرفها المسلمون كانت الأفلاطونية الإسكندرية الحديثة التي ظهرت في القرن الثالث الميلادي .

في مدرسة الإسكندرية امتزج الدين بالفلسفة ، ففيها تلاقحت الروح اليونانية بالروح الشرقية ، فكان نتيجة هذا التلاقح ولادة مذهب الأفلاطونية المحدثة ، والتي تشكلت من فلسفة الفيلسوف اليهودي فيلون الذي ولد قبل الميلاد بعشرين عاما ، وفيلسوف يهودي آخر اسمه ارستوبول ، وقد ألف فيلون كتابا في تفسير التوراة مزج فيه التوراة بالفلسفة الأفلاطونية ، ومن آرائه التي لاحقت صدى : أن الله واحد وموجود مجرد ، والكلمة ( لوجوس ) أو صادر عن الله ، وهي الواسطة بين الله والعالم ، والروح الصادرة عن الكلمة هي روح العالم. كانت هذه المقولة تشبه مقولة التثليث المسيحي التي ظهرت فيما بعد ، حيث اشتهر كتابه بعد سنة 54 م . لقد أثرت فلسفة فيلون تأثيرا كبيرا في الأفلاطونية المحدثة والمسيحية ، والتي منها الجانب الرمزي والتأويل لتفسير التوراة ، فظهر عندهم المذهب الغنوصي، والغنوصيون يمكن مقابلتهم بمصطلح العرفاء .
لقد كانت الأفلاطونية تمثل فلسفة مركبة ، أخذت من أفلاطون أكثر من أي فيلسوف آخر ؛ ولذلك حملت اسمه . أخذت من كل فرقة من فرق الفلسفة ، فأخذت من أرسطو ، و أخذت من الرواقيين (مبادئ وحدة الوجود )، غير أنها في نهاية المطاف أصبحت ذات وجه واحد ، فغلب الشق الديني فيها . ومن أبرز أعلام الفلسفة المحدثة أفلوطين وهو أحد القائلين بوحدة الوجود ، والتي هي الأصل في مذهبه ، فكان أكثر شيء جذب أنظار الصوفية في هذه الفلسلفة هي القول بوحدة الوجود . هذب المسلمون آراء الفلسفة الحديثة فحذفوا منها أشياء وزادوا عليها أشياء فسموها ب” حكمة الإشراق ” ، وأفضل من عبر عن أفكار أفلوطين والفلسفة الأفلاطونية الحديثة في رأي المؤلف هو جلال الدين الرومي .

● المعتقدات البوذية والهندية والمانوية.

يشرع المؤلف باب هذا الفصل بهذه المقولة :- ” إذا كان رأي أولئك الذين يعتقدون أن التصوف وليد المعتقدات البوذية والهندية مبالغا فيه ، فينبغي أن يقال – في الأقل – أن من جملة ما كان له تأثير في التصوف الإسلامي أفكار البوذية والهندية ونزعاتها وعادتها “. ومن القائلين بتأثر التصوف الإسلامي بالأفكار البوذية والعادات الهندية حتى التهبت بها نظريا وعمليا ، المسشرق جولدزيهر وفون كريمر ونيكلسون . فعقيدة { الفناء } و{ المحو} معتقد هندي بالأصل ، وكذلك فكرة المقامات التي يرتقي فيها السالك بالترتيب والتدرج ، من مقام إلى آخر حتى يصل إلى مقام الفناء ، فالبوذية هدفها الرئيس تربية النفس الأخلاقية وتصفية الباطن. ويختم المؤلف هذا مؤكدا على أن ” مما يجب أن يعد مسلما به ، إلى حد ما ، هو أن الاعتقاد بالفناء الصوفي قد وقع إلى حد كبير تحت تأثير مذهب بوذا ، وكذلك تحت تأثير مذهب [ وحدة الوجود ] الهندي والإيراني “.

■ الخاتمة …

كان هدف الكتاب الضخم هو دراسة التصوف وتاريخه العريض على طول تاريخ وجوده في الإسلام ، إلى محط رحاله في القرن الثامن الهجري قرن حافظ ؛ بغية الدراسة العميقة لأسرار شعره وروائع ديوانه الذي لا يزال يلهب القلوب والأفئدة . يقول المؤلف في معرض حديثه عن النتاجات الأدبية لشعراء التصوف ، وخير ممثل لها حافظ الشيرازي ، فيقول :” .. يجد الصوف نفوذا في الشعر ، ولا سيما في العهود التي لم يكن يملك الصوفية حرية التعبير ، وكانوا هدفا لأذى الخصوم ، ومضطرين أن يتكلموا بالرموز والإشارات والإبهام .خير مثال لهذه الصناعة والطريقة أشعار الخواجة حافظ الشيرازي التي لا يفهما إلا بطول ممارسته للقراءة … إن حافظا بلغ من الإبداع فيها ، والتناسب بين المعاني الدقيقة والألفاظ والتعابير والصناعة الأدبية درجة الإعجاز في الرونق والجمال … “، حتى لقبوه بلسان الغيب .

■ تقييم الكتاب …

بعد رحلة طويلة بين صفحات الكتاب ، أجد أن الكتاب يحمل بين جنباته جهدا مميزا لموضوع شائك ، شغل بال الكثيرين قديما وحديثا ، ولا يزال كذلك .

اتسم المؤلف بالموسوعية في إسلوب العرض ، بل هو إلى الإسهاب أميل في موضوعات عدة ، ورغم ذلك فأسلوب الكاتب لا يبعث على الملل في قراءته ، وإن كان يظهر فيه تكرار لبعض المباحث ، وذلك في نظري ناشئ من كون الكتاب لم يكتب دفعة واحدة ، بل ظاهره أن المؤلف يعاود بين فترة وأخرى تكملته فيفوته أنه قد عرض لبعض المطالب قبلا ، لذا نجد عنده التكرار .

من المآخذ على الكتاب في نظري كقارئ بحيث يعد الكتاب ناقصا لفصل في غاية الأهمية هو عدم تعرضه لموقف أهل البيت عليهم السلام من التصوف والمتصوفة ، فبعضهم كانت لهم مع الأئمة مواقف كالحسن البصري ، وشقيق البلخي ، بل هناك رواية في تراث أهل البيت عليهم السلام يرويها الشيخ المفيد عن الإمام الهادي تذم الصوفية ، وهي طويلة ، يقول في بعضها الإمام :”… إنهم خلفاء الشيطان ، ومخربوا قواعد الدين … والصوفية كلهم مخالفونا ، وطريقتهم مغايرة لطريقنا ، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة …”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open