الرئيسية / مقالات / العصور المظلمة في أوربا (جدلية الدين والعلم)

العصور المظلمة في أوربا (جدلية الدين والعلم)

حسين الغزوي

العصور المظلمة هو مصطلح يستخدم للدلالة على العصور الوسطى في أوروبا وهي الفترة ما بين الأعوام 400 – 1400‪ م تقريبًا. وقام المؤرخون بتعريف هذا الفترة بغياب الكتابات التاريخية وانعدام الإنجازات الحضارية المادية والانحطاط في مختلف المجالات، ولم يبقى من معارف الإغريق والرومان التي ازدهرت في أوروبا سوى القليل محصورًا بين الأديرة والكاتدرائيات وبلاطات الحكام.
و أما سبب أسباب الإنحطاط والتخلف فقد يحصرها البعض من معادين الأديان إلى تعاليم الديانة المسيحية ورجال الكنيسة
و قد يطبق هؤلاء هذا المفهوم على الدين الإسلامي ووصفه بأنه مصادم للعلم.
و لكن مما لا يخفى على الإنسان المنصف بأن عقيدة المسلمين تعتبر الديانات السماوية الموجودة منذ زمن بعيد بأنها ديانات محرفة بسبب تحكم السلطة التنفيذية بالمؤسسات الدينية لخدمة أهدافها بإستعباد شعوبها.
و لعل أبرز أسباب حالة الإنحطاط والتخلف هو سقوط الإمبراطورية الرومانية، ومن أول القبائل التي تجرّأت على الإمبراطوريّة الرومانية بعد أن ظهر ضعفها وانتشر الفساد فيها هم القبائل الجرمانيّة، والذين أُطلق عليهم اسم ” البرابرة” فاحتلوا الأجزاء الشماليّة منها، كما سيطر القوط على إسبانيا وإيطاليا، والسكسون على بريطانيا، الفرانكيون على فرنسا وقسمت أراضي الإمبراطوريّة إلى إقطاعيّاتٍ كبيرةٍ من الأراضي كانت تسمّى بالضِياع، واهتم هؤلاء الحكام بحياة الرفاهية والخروج للتنزه والصيد وما إلى ذلك، وفي المقابل فلقد نظر الحكام في أوربا في تلك العصور المظلمة إلى شعوبهم بأنهم عبيد وخول لهم يتصرفون بهم كيفما شاءوا.
و في المقابل نجد أن رجال الدين من القساوسة، وغيرهم ينشطون في نشر الديانة المسيحيّة في أرجاء أوروبا، فامتلكت الكنيسة الأراضي وجمعت الضرائب، وأنشأت المدارس الدينيّة والمستشفيات والأديرة والجامعات وتعني مجتمع المعلمين والعلماء. وقد صاغت هذا المصطلح جامعة بولونيا الإيطالية، التي تعتبر أول جامعة، إذ تأسست عام 1088‪ م وتعود العديد من جامعات القرون الوسطى إلى المدارس الكاثدرائية المسيحية أو مدارس الرهبانية التي تعود إلى القرن السادس، وقد عملت هذه الجامعات كمدارس لمئات من السنين قبل أن تتحول إلى جامعات في العصور الوسطى.
و في المقابل فأننا نجد زعماء السلطة التنفيذية في تلك الحقبة يقرون بالديكتاورية فمثلا ً: يقول لويس الرابع عشر (الدولة أنا)
و يقول ريتشارد ملك بريطانيا المخلوع (القانون في فمي، وكثيرًا ما يكون سرًا كامنًا في صدري)
و يقول غليوم الألماني في أحدى خطاباته ما نصه: (إن غليوم الأول قد أقام كنزًا واسع النطاق يجب علينا حفظه مقدسًا، هذا الكنز هو الملك المستمدّ من معونة الله تعالى، الملك القائم على المسئوولية العظمى أمام الخالق دون سواه، تلك المسئؤولية التي لا يمكن لأي وزير أو مجلس نواب أن يرفعها عن عاتق وليّ الأمر).
و إنفجرت الثورات ضد الحكام تباعًا مثل الثورة الفرنسية العارمة ضد الحكم القائم في عام ١٧٨٩ م بسبب الأوضاع المالية، وبعد عدة ثورات ارتَفَعَت الدول القومية القَوِيّة في جَميع أنحاءِ أوروبا في أواخِر العُصورِ الوُسطى، لا سيما في إنجلترا وفرنسا والمَمالِك المَسيحيّة في شبه الجزيرة الأيبيرية: تاج أرغون وتاج قشتالة والبرتغال، ومما يجب الإلتفات له هو أن أحد فلاسفة ثورة التطور في بريطانيا هو فرنسيس بيكون وهو مسيحيًا أنجليكانيًا ورعًا. قد كوّن فكرة عن أصنام العقل تمثل وعيًا ذاتيًا محاولة لإضفاءه الطابع المسيحي على العلم وفي نفس الوقت الذي يقوم فيه بتطوير طريقة علمية جديدة موثوقة.
و إذا ما أردنا تخليص المقال بمثال واحد يوضح تلاعب البعض بالحقائق التاريخية لمأرب بأنفسهم فأن أبرز مثال هو العالم الإيطالي غاليليو، فالمتداول في قصته بأنه حكم عليه من الكنيسة بسبب نظريته دوران الأرض بينما الحقيقة هي أن السياسة هي من أمرت الكنيسة بإصدار الحكم:
بعد أن دعم جاليليو نظرية كوبرنيكوس علنًا فقد قام خصوم الأخير، والذين كانوا من الداعين لنموذج مركز الأرض المعروف منذ أيام اليونان القدماء، بالهجوم عليه وشكوه إلى البابا محتجين أن ما يدْعوا إليه يخالف تفسيرهم لبعض الآيات في التوراة. رغم أن الفكرة التي أُدين جاليليو بسببها وهو مركزية الشمس كانت قد ظهرت أولًا على يد كوبرنيك واستقبلت بحفاوة في بلاط البابا بولس الثالث يعكس تأثير الوضع السياسي على الكنيسة. بالرغم أن جاليليو لم يكن طرفًا في ذلك النزاع، وكانت قد تركه رجال الكنيسة بسبب صداقته مع البابا أوربان الثامن. لكن بسبب الضغوط التي وجهت البابا وكونه كان في مرحلة سياسية صعبة فقد جاليليو من يحميه ويدافع عنه في روما فعقدت محاكمة من قبل محاكم التفتيش الرومانية سنة 1632‪، اتهم جاليليو بالاشتباه بالهرطقة وحكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه الثائرين، وفي اليوم التالي خفف الحكم إلى الإقامة الجبرية، ويرى الكثير من المؤرخين أن الحكم الذي صدر ضد جاليليو ومحاكمته كانت لدوافع سياسية وشخصية وليس لدوافع دينية أو عقائدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open