الرئيسية / مقالات / سلسلة كتاب في مقالة.. مختصر تاريخ الإكيولوجيا

سلسلة كتاب في مقالة.. مختصر تاريخ الإكيولوجيا

رضي الحصار

● اسم الكتاب : مختصر تاريخ الإكيولوجيا .

● اسم المؤلف : براين فيغن

● الناشر : دار الكتب العلمية – بغداد

● الطبعة : الأولى – 1440- 2019

● عدد الصفحات : 464 صفحة

☆●☆●☆●☆●☆●☆

من طرائف الحياة وغرائبها أن تجد علما كانت ولادته على أيدي لصوص ! لقد كان بريق الذهب وكنوزه المخفية تحت باطن الأرض ، وفي المقابر هي التي كانت محفزة للصوص المقابر على تكبد العناء في الكشف عن حضارات مجهولة كانت غير معروفة حتى أمد قريب للعالم . لم يدر في خلد أولئك المهووسين باكتشاف الذهب بأن معاولهم كانت في الحقيقة تعبد الطريق ل( علم الآثار ) الأركيولوجيا، الذي لم يولد بعد ذلك الحين .

على مساحة الأربعين فصلا من هذا الكتاب يأخذنا الأستاذ الفخري لعلم الإنسان في جامعة كاليفورنيا براين فيغن المتخصص في علوم ما قبل التاريخ في رحلة طويلة تمتد لقرون ، لتعرفنا على ولادة ومراحل تطور علم الآثار ، وأبرز أعلامه ، وأشهر المواقع الآثارية التي صيرت علم الآثار علما معترفا به في الجامعات ، بعد أن كان يعد كهواية من الهوايات وحب مغامرة الاكتشاف .

كانت الولادة الحقيقية لعلم الآثار سنة 1709 م في إيطاليا ، عندما عثر أحد الفلاحين كان يحفر بئرا في مدينة – هركولا نيوم – على رخام منحوت ، فأرسل أمير المدينة عددا من العلماء ليقوموا بالحفر ، فكان الاكتشاف لمدينة بومبي المدينة الرومانية الذي غطى بركان فيزوف برماده وحممه إياها قرابة الستة عشر قرنا . كان التنقيب حينذاك يعد من أسرار الدولة ، عندما أمر كارلو الثاني ملك نابولي بتكليف المهندس الإسباني روكي خواكين بالقيام بأعمال الحفر والتنقيب عن آثار المدينة المخفية تحت الأرض. غير أن أول من قام ببحوث علمية في علم الآثار كان الألماني يوهان وينكلمان ( 1717-1768) والذي قتل على أيدي لصوص من أجل حفنة من العملات الذهبية .

كانت إحدى عجلات الدفع لهذا العلم من غير قصد هم أثرياء أوربا الذين شغفوا بتملك تحف الماضي الأثرية من يونانية أو رومانية أو مصرية أو عراقية أو غيرها من التحف العالمية القديمة ، والتي يتفاخر بها المجتمع المترف في حفلة عشاء بين الضيوف . منهم من قام بالتنقيب بنفسه في المقابر قتلا للملل الذي يعاني منه المترفون ، ومنهم من اكتفى بتمويل أعمال التنقيب وتقاسم الكنوز من ذهب وآثار بين المنقبين الهواة . كان من كترة الآثار التي استخرجت و فاضت بها قصور الأثرياء أن أمدت المتاحف بها فتضخمت تلك المتاحف ، وبدأت تكتسب شغف واهتمام الناس بها ومعرفة متعلقاتها المعرفية . ولكن من أقوى الدفعات لعلم الآثار هي حملة نابليون التي عثر فيها على حجر رشيد الذي فتح الباب لعلم المصريات ، وكذلك فتح معه بريق الثروة من آثار مصر ، “فهرعوا بشدة نحو الاستيلاء عليها ” على حد تعبير المؤلف ، ليس الأفراد فحسب ، بل الحكومات أيضا ، وأما كنوز وآثار العراق فقد توزعت بين العواصم الأوربية لكثرتها ، إلى الحد الذي أمر فيه المتحف في لندن أن لا يستقبل أية آثار آشورية.

كانت الصدمة العلمية التي أحدثها علم الآثار قوية ، ومفاعيلها وآثارها لازالت أصداؤها إلى الآن تتردد بين أروقة الجامعات العلمانية والدينية. يقول المؤلف :” تعد قصة الخلق المذكورة في العهد القديم حدثا تاريخيا حقيقيا ، وقد حسبت الكتب المقدسة وقت حدوثها في سنة 4004 . ق.م ، وكان الاعتقاد بغير ذلك يعد تحديا لنصوص الدين المسيحي ، وجريمة خطيرة.” ، فكيف استطاع علماء الآثار تجاوز هذا المأزق الديني ، الذي كانت نتائج أبحاثهم العلمية اليقينية تخطئ الكتاب المقدس ؟. كانت الأبحاث العلمية تتطور في العلوم الأخرى كعلم الأرض – الجيولوجيا – وعلم الأحياء بموزاة علم الآثار الذي رفدته تلك العلوم والعلوم الأخرى المستقبلية بمزيد من الأدوات ، شكلت بمجموعها دافعة قوية في تطوره تطورا كبيرا ، جعلت من نتائجه العلمية البحثية مبنية على أسس علمية قوية . دخل العلم والدين في صراع حاد تزايدت وتيرته حينما تم الكشف بشكل علمي عن الأدلة التي أثبتت عن وجود الإنسان على الأرض يرجع إلى عصور ضاربة في القدم تفوق تصور الكتاب المقدس بملايين السنين.

توالت الاكتشافات وتتطور علم الآثار قرنا بعد قرن ، وتوالى بناؤه النظري يتراكم بعد ذلك رويدا رويدا . فعلى يد العالم العالم الدنماركي تومسن 1816م ولد نظام العصور الثلاثة الشهير ، الذي قسم التاريخ إلى ثلاث مراحل . وجاء من بعده الفرنسي مورتيليه الذي آمن أن هناك ( قانونا عالميا للتقدم البشري ) فأسس لمنهح صارم في تقسيم المستويات الأثرية المختلفة مستخدما علامات ثقافية لكل منها ، وبقي منهجه مستمرا إلى حد كبير في القرن العشرين . ولعل النقلة النوعية في علم الآثار كان خروجه من دائرة الأبحاث الفردية للمنقب والآثاري الذي يعمل مع عمال مستأجرين إلى عمل احترافي ممول من قبل الجامعات والمتاحف ، يضم بين جنباته علماء من مختلف أطياف العلوم والتخصصات ، بل بلغ من التطور والدقة العلمية أن اشتركت اثنتاعشرة جامعة وأربعة متاحف ومؤسسات أخرى في موقع واحد ، مستخدمين أرقى وأدق الأجهزة العلمية والتحليلية للبيانات الذي وصلت لها الحضارة في عصرنا الحالي وبالأخص ثورة استخدام كربون 14 المشع ، وطريقة التأريخ الجيولوجي بواسطة البوتاسيوم – أرجون . وثورة استخدام تقنية اللادار( LIDAR ) وهي شكل من أشكال المسح الضوئي وتحديد المسافات بدقة ، الذي يسمح للوصول إلى المواقع الأرضية المخفية في الغابات الكثيفة .

لم يعد علم الآثار يهتم بالأجسام الكبيرة من مخلفات الحضارات القديمة كالأهرامات والقصور ، بل أصبحت دقائق الأشياء الصغيرة المخفية في طبقات الأرض أشد أهمية في رسم صورة الماضي وتاريخه . فبهذه اللقى الأثرية الصغيرة من خشب أو عظام أو حبوب أو أشياء كان ينظر لها بعين الحقارة يستطيع العلماء تحديد أعمار المدن وتاريخ تطورها وفنائها عبر هذه الأشياء الصغيرة . لم يعد علم الآثار يهتم بماديات المواقع الأثرية ، بل أصبح قريبا من الإنسان في رسم صورة وجوده في الشكل والتفكير والتطور ، بل تلمس صحته وسقمه وتحديد عمره ومأكله ومشربه وفتوته وأمراضه التي فتكت به ولم يستطع مقاومتها . وجد العلماء أن أكبر ثورة قام بها الإنسان في استمرار بقائه واستمرار وجوده هي الثورة الزراعية ، التي تزامن ظهورها في الشرق الأوسط والصين في زمن واحد بعد جفاف أصاب الأرض قبل عشرة آلاف سنة .

لقد أصبح علم الآثار منذ ثلاثينيات القرن العشرين علما عالميا ، أدرك أهميته العقل السياسي قبل العقل العلمي ، فقد كان الكثير من أعلام هذا العلم في الحقبة الاستعمارية كانوا ضباطا في السلك العسكري ، غير أن الشهرة وبريق الذهب يطغى على كل شي .

■ تقييم الكتاب …

الكتاب يمسك بك ، بل يأسرك بقدرة المؤلف على تقدم مادة الكتاب العلمية في أسلوب ممتع وسلس ، وهي الصفة المميزة في الكتاب ( امتاع القارئ ). ربما الملاحظة التي أسجلها على الكتاب ، وهو كتاب موضوع لتاريخ علم الآثار هو خلوه من الصور التوثيقية لعلماء الآثار ، وكذلك خلوه من الخرائط المبينة للمواقع الأثرية في بلدانها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open