الرئيسية / مقالات / من جشع “بعض” التجار

من جشع “بعض” التجار

هلال الوحيد

بدت لي حاجة في قطعة فقصدت مكاناً أعرف أنه يأخذ أكثر من غيره من الباعة، فاشتريتها بسبعة ريالات. ثم احتجت واحدة أخرى فلم تكن متوفرة لديه، فاشتريتها من تاجرٍ آخر ولكن بخمسة ريالات. ما يعني أن التاجرَ الأول باعها أغلى من الثاني بأربعين في المائة. ربما حالة منفردة في تفاوت الأسعار، لكن تكررها وحصولها كثيراً يبعث على اليقين.

ثم احتجت ثالثة منها، فتوجهت الى البائع الذي كنت أعرف أنه يكسب القليل ويقنع، فطلب مني ريالين ونصف واشتريت منها اثنتين. وهذا يعني مرةً أخرى أن البائع الأول يبيعها بحوالي ثلاثة أضعاف سعر البائع الثالث، والثاني يبيعها بضعفي سعر البائع الثالث. علماً أن سعر الشراء من البائع الأصلي تقريباً ذاته وكلفة العمل متقاربة والمسافة بين صاحب الخمسة ريالات والريالين ونصف ليست أكثر من ٥٠ مترًا، وكلهم في منطقةٍ واحدة قطر دائرتها ١٥٠٠ مترًا، وتجد فارقاً ملحوظاً في أسعار كثير من السلع اليومية.

في عرفِ الكثير “التجارة شطارة” لكنها في الواقع معاملة اجتماعية لابد أن يكون فيها مخزون وافر من الصدق والرأفة بالشاري. وإذا كان تسعة أعشار الرزق في التجارة، فليبق إذاً عشرٌ من العشرة أعشار للشاري الفقير. وإذا جاءت التوصيات والحث على العمل في التجارة، فإن من الوصايا أيضاً: يا معشرَ التجار الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر. وفيها: غبن المسترسل سحت.

التجارة من أجمل المهن التي أوصت بها الأديان كافة واعتنى بها الإسلام، وهي علاقة تقوم على قاعدة رابح – رابح، والقرش الذي لا يضر بالتاجر ينفع المشتري، فما بالك بالخمسين والمائة ريال أو أكثر في البضائع الأعلى كلفة؟! وعلى الخصوص عندما يكون البائع والشاري أبناء حارة واحدة، يتقاسمان الربح والخسارة.

لا غرابة أن يكون التاجر الناجح ليس الذي يطلب أكبرَ هامش من الربح، بل هو الذي يطلب أقلَّ هامش من الربح، ربح قليل دائم يتضاعف في كثرةِ المشترين ودوام العلاقة معهم “قليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع”. والتاجر الناجح هو الذي تشتري منه وتعود بعدها لتجد السعر الأقل والجودة الأعلى والمعاملة الأرقى.

والتاجر الفاشل هو الذي يوصيكَ الناس باجتنابه، فقد اكتسب شهرة بأنه يبيع بالسعر الأعلى دون أن يعوضك في جودة السلعة أو رفعة المعاملة؛ تشتري منه مرة ولا تعود لأنه بكلِّ بساطة خسر وأغلق باب الدكان.

تعليق واحد

  1. يا ريت أستاذ هلال تضرب لنا مثلا اخر في جشع تجار الأراضي. الذين حرموا ابناء المنطقة من إمكانية شراء أرض للمسكن ضخموا الأسعار والمناطق الأخرى ليست كذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open