الرئيسية / مقالات / ما أقدر أنسى ..!

ما أقدر أنسى ..!

جعفر المطاوعة

 

إن بعض الذكرى كفيلةٌ بأن تبدل أحوالنا ، وتُقلب مزاجنا على حر جمراتها ، فهي لِلأحقاد في القلب مؤججة ، ولِلسلام في الروح هادمة ، ولِنور العقل مطفئة ، وإلى الجسد مرهقةٌ متعبة ..!

لكن .. من منا ياترى ليس في جعبته ذكرى ؟! من منا لم يكتوي بنار الفراق ؟! من منا لم يخذله القريب ، ولم يكسر قلبه الحبيب ؟! من منا لم يتقهقر حينما تطايرت حقائق واقعه ، وانكشفت له طلاسم أسرار حكايته ؟!

بني قد عانيتُ كثيرًا من ذلك ، وإن كلامي هذا قد يختصرُ عليك طول العناء إن فهمته وأدركته ..!

إعلم بني بأنك ستعيشُ يومًا ما حربًا بين الذكرى والنسيان ، حربٌ قد أسرت الكثير خلف (كان) ، وأضاعت متعة الحياة خلف (لا أستطيع) ، حربٌ قد خلَّفت خلفها الحزن والحقد والضغينة في القلوب ، حربٌ قد استحوذ فيها الماضي بالسلبِ على كل ما هو آت ..!

بني إن النسيان بعد التناسي هو من يُعيد الإتزان للقلوب ، بني إن ربنا عادل ، وإن الصفح والعفو والغفران لا يُنزلون من مقامنا بل يرفعوه عند الله ..

بني أنظر لها بعين بصيرتك ، فكم من صفحٍ أعاد المياه إلى مجاريها ، وكم من عفوٍ وهبنا به الحياة ، وكم من غفرانٍ أنعشنا به روح ميت ..

بني في الواقع نحن من يحتاج إلى الصفح والعفو والغفران عند المقدره ، أكثر من ذاك المذنب نفسه ، نحن من نحتاج أن ننسى لِنُريح أنفسنا ، ونعيد الإتزان والحياة لقلوبنا ، نحتاج أن ننسى لكيلا يكن قلبنا موطنًا تُعشعشُ فيه الذكرى ، وتنبتُ فيه الأحقاد إلى أن تكبر مع مرور السنين ، فتُغطي قلوبنا بالسواد والهم ..!

بني أعلمُ بأن البعض لا يستحق منا الصفح والعفو ، لكننا نستحق السلام لأنفسنا ، لذا من لا يستحق شرف العفو منك لا تتكرم به عليه ظاهرًا ، واصفح عنه عند قدرتك باطنًا دون إشعاره بذلك ، لعل الضمير يوقظه يومًا ما فيعود إليك طالبًا ما منحته أنت إياه دون أن يعلم ..!

وإن لم تكن قادرًا على العفو فأمرنا وأمرك إلى الله ، بني إن العفو لن يُسقط حقك ، ولن يُضيعه بلا حفظ ، بني حينما تعفو عند قدرتك فإن الله سبحانه وتعالى هو من سيتكفل بإرجاع حقك لك ، وما عند الله خير وأبقى ..

بُني أيهما أفضل لك ، أن يعوضك الله الكريم عن من ظلمك بعد عفوك عند قدرتك ، أم أن الإقتصاص منه أفضل ؟!

إن بعض الذكرى كالكابوس لابد من هجرها ، وإن العفو ما هو إلا خيرٌ ورحمةٌ لنا و حياة وأمل لبعض القلوب من حولنا ..

جعفر محمد المطاوعة

2 تعليقان

  1. ليالي الشوق

    لكن .. من منا ياترى ليس في جعبته ذكرى ؟! من منا لم يكتوي بنار الفراق ؟! من منا لم يخذله القريب ، ولم يكسر قلبه الحبيب ؟!

    من منا لايتألم بعد أن إكتسحته آلام الخذلان ، ومرّ الفراق ، وألم البعد ..!
    أحيانا نبقى مجبورين لتجرع بعض الألم ..
    بالرغم من ذلك .. لابد ان تحتوي ذكرانا لحظات تنسينا ألامنا
    فتستقر وسط الفؤاد لتروي ماذبل منا

    لانزال في محاولة التواصل مع الذكرى ،، علها تعود لنا يوما
    نشتاق لها .. ولذكرياتها الجميله ، فهل لها ان تعود لنا لتبقى قربنا
    نحن بانتظارها دوما على امل أن تعود حاملة إياها بعض الأمل
    فهل لها أن تعود ياترى ؟ 🙂

  2. ليالي الشوق

    مواعظ جميلة ،،
    سلمت يمناك ..
    دمتم بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open