الرئيسية / مقالات / مساعدتهم… سعادتكم

مساعدتهم… سعادتكم

رضي منصور العسيف

في هذه الأجواء الشتوية يحتاج الإنسان لتناول كوبًا من المشاعر الدافئة يعيد للإنسان جوهره، ويرسم البسمة على تلك الشفاه التي عانت من الألم.

مهما كانت برودة الشتاء، ومهما كانت الرياح عاتية باردة، إلا أنه لن يفقدنا الأمل، فهناك شمس ستشرق وسترسل أشعتها الدافئة لتمسح على الأرض بكل لطف ليزداد وجهها نظرة وبهاء.
أوقف سيارته وطلب من والدته النزول، هيا يا والدتي ها هو الكرسي المتحرك (wheelchair) أمامك، هيا انزلي كوني حذرة (اشوي اشوي).
في هذه الأثناء جاءه رجل الأمن (السكيورتي) وبصوته الفظ: أنت، عليك أن تتحرك، هيا بسرعة .. تحرك..هيا…
نظر إليه الشاب قائلاً: أمهلني بعض الدقائق.. حتى تنزل والدتي.
إلا أن السكيورتي ظل يصرخ تحرك من هنا .. أوقف سيارتك هناك …
صارت رياح الشتاء تتحدث إليّ، وكأنها تهمس بصوت خافت في أذني…لا أعلم لماذا يفقد البعض إنسانيته…ويعيش البعض حالة من الغطرسة الفارغة. وأمام هذه الحالات الإنسانية لابد من اتخاذ قرار شجاع يقضي على تلك الغطرسة، ويضع النقاط على الحروف.
تقدمت إليه وقلت: ألا ترى هذه السيدة العجوز تحاول النزول من السيارة.. أنت هنا لمساعدة هؤلاء الناس وليس لإزعاجهم.
أجابني: لقد تعطلت الحركة…
قلت له: لا أرى أي تعطل للحركة … أين هي السيارات المتعطلة…
ثم التفتُ للسيدة العجوز وقلت: لا عليك يا خالة… براحتك … انزلي براحتك …
وبعد نزول السيدة العجوز قلت لولدها هل تسمح لي بمساعدتكم؟!
أجابني: نعم وشكراً لك … والدتي لديها موعد لإجراء تحليل دم وهذه ورقة الموعد… خذها للمختبر… وأنا سوف أبحث عن موقف لسيارتي…
أخذت السيدة العجوز وسمعتها تقول بصوت يرتجف (رحم الله والديك يا ولدي).
وصلت المختبر .. أعطيت الممرضة ورقة الموعد.
قلت للسيدة العجوز: لحظات يا خالة وسوف تنادي عليك الممرضة… أمامك ثلاث حالات.
رأيتها ترتعش…
قلت لها هل تشعرين بالبرد؟!
لم تجبني!
قلت لعلها صائمة وربما هذه إحدى أعراض هبوط السكر.
قلت لها: سوف أحضر لك عصير وفطيرة.
سمعتها تقول: اين ولدي؟
أجبتها سيحضر الآن.
ذهبت لأحضر لها العصير والفطيرة، والتقيت بابنها وقلت له: اذهب لوالدتك هي بانتظارك في المختبر.
احضرت العصير والفطيرة، ولكن لم أجد السيدة سألت الممرضة: أين السيدة العجوز .. هل انتهت من التحليل؟!
أجابتني الممرضة: لا ..عندما أردت أخذ العينة وجدتها مغمى عليها .. فسارعنا بنقلها للطوارئ…
توجهت مسرعًا للطوارئ، وأخذت الأفكار تتلاعب في عقلي، لعلها…لا …لا يمكن … ربي يحفظها…
وجدت ابنها قلقاً …
قلت له: اين والدتك؟!
اجابني بصوت قلق: هناك في الداخل…
دخلت طوارئ النساء، وجدت السيدة العجوز ترقد على السرير.
بعد 10 دقائق أفاقت….
تحركت شفتيها: أين ولدي …
ابتسمت وقلت لها: الآن سيحضر لك لا تقلقي يا خالة…
قلت في نفسي: صحيح أن قلب الأم بحر من الحنان … تنام الأم ويدها مستيقظة ترعى أولادها…
خرجت ووجدت ذلك الشاب ودموعه تجري على خديه … قلت له: لا تحزن … والدتك بخير … هيا تعال معي…
عندما وصل إليها … انكب على يديها يقبلها… وهو يقول الحمد لله على السلامة يا أمي…
نظرت إليها مبتسمًا… ماسكاً دمعتي وقلت لها: ها هو العصير والفطيرة يا خالة …
ابتسمت وتمتمت بكلمات لم اسمعها جيدًا…
في المساء ذهبت لزيارة والدتي…
قالت لي: يا ولدي … اليوم أشعر براحة نفسية غريبة … منذ الصباح وأنا اشعر بسعادة ما … حتى أن نتيجة تحليل السكر لم تتجاوز الـ 130 لا أعلم ما هو السبب؟
ابتسمت وقلت لها: الحمد لله … صدق الإمام علي (عليه السلام) حينما قال: فعل الخير ذخيرة باقية وثمرة زاكية (1).

الهوامش:
1 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٨٣٨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open