الرئيسية / مقالات / الدِّين المعاملة – مشاهد من الحياة ٣

الدِّين المعاملة – مشاهد من الحياة ٣

هلال الوحيد

وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئاً

كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ
– أبو الطيِّب المتنبي –

حمدًا لله معظمنا يصلِّي ويصوم ويحج. لكن ما أن تقترب من هذه الغالبية حتى تشمَّ روائحَ سيرة ليس فيها من العطرِ إلا خاصية السيلان!

ثمَّة ملاحظة لا تقبل الشك بأن هذا الجزء من الدين – المعاملة – لا يشكِّل هاجسًا كبيرًا لأغلبنا مثل الهاجس الذي تشكله الصلاة والصوم والحج، وبالتالي لا نتعامل معه كما ينبغي كإرشادٍ واجب وحقيقي لا يقل أهميةً في تطبيقه والامتثال له عن العبادات!

قواعد بسيطة في الحياة كلنا – رجالًا ونساءً – ندرك فائدتها وجدواها: لا تغش، لا تشتم، لا تُنكر الدَّائن، لا تماطل، لا تظلم نفسك ولا تظلم غيرك. مئات من النواهي والأوامر في خلاصتها أحبّ لغيركَ ما تحبّ لنفسكَ من الخير، وابغض لغيركَ ما تبغضه لنفسكَ من الشر، معاملاتٌ أفقية بين الناس وتأخذ بعدًا أفقيا بين العبدِ وربِّه. ناهيك عما نعتبره نحن من كماليات وإكسوارات الأخلاق – لا غير – مثل الحفاظ على الوقت والأدب العام، في حين يعتبرها غيرنا من الأساسياتِ والضروريّات!

فلماذا إذًا معاملاتنا في مجملها بعيدة عن هذه القاعدة؟ ومن يلتزم بها قد يكون من الشواذ والقلَّة؟ فهل بنيتَ منزلًا وارتحت في كلِّ المعاملات؟ أو في أغلبها؟ مع البائع والباني والمتعهد وغيرهم؟ وهل نظرت كيف نصطف في طابور أو في شارع إن كنا أكثر من واحد دون أن نتدافع؟ ربما الإجابة بالنفي عن كلِّ هذه الأسئلة!

إذًا، يبقى السؤال: متى نخرج من هذه الحلقة البائسة من نصف التطبيق للدين؟! أعتقد أن الجواب يكمن في الضمير، أو سمِّه التقوى – إن شئت – فهو لا يبعد كثيرًا عنها. الضمير هو الحالة النفسية والروحية التي نتمكن من خلالها الامتثال للأوامر والنواهي الأخلاقية، غير محصورة فقط في الصوم والصلاة والحج، بل يصحبها الخلقُ الحسن والتعامل السليم.

وبما أنه يقرب من الاستحالة أن يكون هناك قانون بشري يغطي جميعَ المخالفات التعاملية بين أفراد المجتمع وتصحيحها، فالضمير هو الشرطي الذي يمنعنا من المخالفاتِ الأخلاقية، ويردع نوازعَ الشر ويقوي نوازعَ الخير فينا. لأنَّ جوهر الأخلاق والنظام في الدين لا يقل أهميةً عن جوهرِ العبادات.

حقًّا، من المؤلم عندما نحاول التحليق في سُمُوّ وسماءِ الدِّين والدّنيا بجناحٍ مهيض وعاجز فنرتطم بالأرض، لأننا نعتقد بصلاح ما بيننا وبين الله، في غياب صلاح ما بيننا والناس. فمن غيرِ المعقول أن تتمكنَ الإنسانيةُ من الطيران بجناحٍ واحد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open