الرئيسية / مقالات / العقل والشهوة – سرّ عظمة البشر ٢

العقل والشهوة – سرّ عظمة البشر ٢

هلال الوحيد

“لما خلق اللهُ العقلَ استنطقه، ثم قالَ له أقبل فأقبل، ثم قالَ له أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقًا هو أحبّ إليّ منك، ولا اكمِّلك إلا فيمن أحب أما إني إيَّاك آمر، وإيَّاك أنهى، وإيَّاك أثيب”. – محمد الباقر (ع)

هذا هو أكبر أسرار عظمة الانسان. هو الآلة التي أوصى اللهُ خلقه أن يستعملوها ويستنطقوها دونَ حدود، ولا يعطلوها في أي مجال يمكنهم الوصول إليه. فهاهم اليوم بين متقدمٍ ومتأخر بمقدار ما استعملوا واستهلكوا من عقولهم. ولقد عاب الله على من عطَّل من عباده  آلة العقل عن عملها { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}؟!

مرَّات عدة دعا الخالقُ خلقه للتفكر والتدبر في كلِّ الأشياء، من حولهم ومن فوقهم ومن تحتهم. بالفكر يكون إيمانهم عن قناعة ووعي ويستخرجون مكنونات الكون من ثرواتٍ ومعادن وكنوز، ويعرفون كيف تسير أنظمة الكون ويستفيدون منها، فالله الذي أمرهم بالمسير لابد أنه فتح لهم آفاقَ السير، {سَنُرِيهِمْ آياتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}.

هاهو الانسان حين أعملَ عقله أذاب الأبعادَ المكانيَّة في حياته، فقرب الصوتَ والصورة والمسافات بين البلدان، ومن يدري فقد تكون الأبعاد الزمانية غير بعيدة عن أياديه. لم يكتف الانسان باكتشاف كوكب الأرض بل حطَّ فوق الكواكب الأخرى، يرسل لها المختبرات وآلات التصوير، ويجري عليها التجربة تلو الأخرى. حتى إنه لو عاد للحياة اليوم بعض من ماتوا في الخمسينات من القرن الماضي، فسيذهلهم التقدم العلمي في كل نواحي الحياة؛ المواصلات والاتصالات، والطب والعمران. هذا فقط في عشراتِ السنين الأخيرة التي انفتح فيها العلم مثل سد ماءٍ تفجَّر وفاض. فما بالك بما سيفعله عقل الإنسان في هذا القرن من الزمان؟

أما الشهوة فليس للبشر أن يَحرموا أنفسهم منها، لا تبتّل ولا حرمان من ملذات الأكل والشرب واللباس والتزاوج. كل ما هنالك أنه قنَّنَها في حدودها الدنيا، فلا تجد محرَّمًا واحدًا إلا وتجد قباله كثيرًا من الحلالِ الطَّيب الذي يغني عن الحرام. يبقى على أبناء آدم موازنة المسير فوق حبلي العقل والشهوة، فإن عطلوا العقلَ كلَّه اندثروا وتوقفوا عن المسير الحضاري، وإن فعَّلوا الشهوة دون حدود وقيود لن ينفعهم التقدم العلمي والتقني على حساب التقدم الأخلاقي.

طالبَ اللهُ الإنسان أن يمارس حياته، فيأكل ويشرب ويلبس ويتزيَّن. ويقف في نقطة التوازن، فلا يرفض ماديّات الحياة بالجملة، لكن يعي أن لا ينسى حاجة روحه التي يسمو بها، فتشده المادَّة نحو الأرض دونَ حدود. ودون هذه الشهوة لم يكن الإنسان ليعمِّر ويبني ويتزاوج ويتعلم الفنون ويحمي نفسه ويتزيّن، فسبحانَ من جعلنَا من أعظم أسرارِ قدرته!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open