الرئيسية / مقالات / أترك أثرا ً قبل الغياب والرحيل -6

أترك أثرا ً قبل الغياب والرحيل -6

أحمد بن مكي الجصاص

المحور الثالث : السجايا الخُلقية للمرء :

سابعا ً : إجتناب الكذب .
وهو : مخالفة القول للواقع ، ويعتبر من أبشع العيوب ، ومفتاح كل شر وأثم ، لذلك حرمته الشريعة الإسلامية ، ونعت على المتصفين به ، وتوعدتهم ، قال تعالى «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » (الحج – آية ٣٠) ، وقال تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ» (غافر – آية ٢٨) ، وقال تعالى : «وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ » (الجاثية – آية ٧) وقال تعالى : «إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ» (النحل – آية ١٠٥) .

وعن رسول الله (ص) : (إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان (١) ، وعن علي (ع) : (شر القول الكذب) (٢) ، وعن علياً (ع) : فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك… وترك الكذب تشريفاً للصدق) (٣) ، عن السجاد (ع) : «كان يقول لولده : أتقوا الكذب ، الصغير منه والكبير ، في كل جد وهزل ، فإن الرجل اذا كذب في الصغير ، اجترأ على الكبير ، أما علمتم أن رسول الله (ص) قال : ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقاً ، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذاباً» (٤) .

آثار الكذب على الفرد والمجتمع :

١- الحرمان من لذة العبادة وإفساد الإيمان ، عن علي (ع): (لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده ) (٥) ، وقال الباقر (ع) : «أن الكذب هو خراب الايمان)(6).
٢- باب النفاق ، عن رسول الله (ص) (إن الكذب باب من أبواب النفاق)(٧).
٣- دليل على سوء الخُلق وشر النفس ، عن علي (ع) الكذب أدنى الأخلاق (٨) -وعنه : (الكذب شين الأخلاق)(٩) ، وعنه (ع) ( شر الخلائق الكذب)(١٠)

٤- مدعاة للفجور والنار ، عن رسول الله (ص) ( وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار )(١١) .
٥- نفرة الناس ، عن علي (ع) ( الكاذب مهان ذليل)(١٢).
٦- يورث الفقر ، عن علي (ع) : « إعتياد الكذب يورث الفقر » (١٣).

٧- يذهب بالهباء ، عن النبي محمد (ص) : «كثرة الكذب تذهب بالبهاء »(١٤)
٨- مفتاح الشر ، عن الباقر (ع) : «إن الله جعل للشر أقفالاً ، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، والكذب شر من الشراب»(١٥).
٩- باعث على سوء السمعة ، وسقوطه من أعين الناس ، فلا يصدق الكذاب و نطق بالصدق ، ولا تقبل شهادته ، ولا يوثق بوعوده وعهوده .

١٠- إنعدام ثقة الناس بعضهم ببعض ، إذ يشيع فيهم أحاسيس التوجس والتناكر .
١١- يورث الأحقاد والضغائن.

أقسام الكذب : للكذب صور شوهاء ، تتفاوت بشاعتها بإختلاف أضرارها وآثارها السيئة ، وهي :

الأولى : الكذب على الله عزوجل وأوليائه
وهي من أبشع صور الكذب ، وأشدها خطراً واثماً ، فإنها جناية مزدوجة وجرأة صارخة على المولى عزوجل ، وجريمة نكراء تمحق الحقوق وتهدر الكرامات ، من أجل ذلك جاءت النصوص في ذمها والتحذير منها ، قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) ( الأنعام – آية ٢١).

وقال رسول الله (ص) في حجة الوداع : «قد كثرت علي الكذابة وستكثر ، فمن كذب علي متعمداً ، فليتبوأ مقعده من النار ، فإذا أتاكم الحديث فأعرضوه على كتاب الله وسنتي ، فما وافق كتاب الله فخذوا به ، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به» (١٦).

الثانية : اليمين الكاذبة وشهادة الزور .
وهي جريمة خطيرة ، الحلف كذباً وبهتاناً ، كما شهادة الزور جريمة نكراء تمحق الحقوق وتهدر الكرامات وظلم سافر هدام ، تبعث على غمط الحقوق ، وإستلاب الأموال ، وإشاعة الفوضى في المجتمع ، أنظر كيف تنذر النصوص باليمين الكاذبة وشهود الزور بالعقاب الأليم ، قال رسول الله (ص) : «إياكم واليمين الفاجرة ، فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع» (١٧) ، قال رسول الله (ص) : «لا ينقضي كلام شاهد الزور من بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار ، وكذلك من كتم الشهادة» (١٨).

الثالثة : خلف الوعد
الوفاء بالوعد من الخلال الكريمة التي يزدان بها العقلاء ، ويتحلى بها النبلاء ، وقد نوه الله عنها في كتابه الكريم فقال : «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا» (مريم – آية ٥٤) .

ويروى أن إسماعيل (ع) وعد رجلا ً ، فمكث في إنتظاره سنة كاملة ، في مكان لا يبارحه ، وفاءاً بوعده ، فعن أبي الحسن الرضا (ع) قال: أتدري لم سمي إسماعيل صادق الوعد؟ قلت: لا أدري، قال: وعد رجلاً فجلس له حولا ًينتظره)(١٩).

ويحكى : «أن رسول الله (ص) وعد رجلاً الى صخرة فقال : أنا لك هاهنا حتى تأتي . قال : فاشتدت الشمس عليه ، فقال اصحابه : يا رسول الله لو انك تحولت الى الظل ، فقال : قد وعدته الى هاهنا : وإن لم يجيء كان منه الى المحشر» (٢٠).

الرابعة : الإدعاء الباطل
فقد يستحلي البعض تلفيق الإدعاءات الباطله على المؤمنين والمؤمنات بدون بينه يقينية ، لتسقيطهم وإستحقارهم ، قال الصادق (ع) : «من روى على مؤمن رواية ، يريد بها شينه ، وهدم مروته ليسقط من أعين الناس ، أخرجه الله تعالى من ولايته إلى ولاية الشيطان ، فلا يقبله الشيطان» (٢١).

مسوغات الكذب :

لا شك أن الكذب رذيلة مقيتة حرمها الشرع ، لمساوئها الجمة ، بيد أن هناك ظروف طارئة تبيح الكذب وتسوغه ، وذلك فيما إذا توقفت عليه مصلحة هامة ، لا تتحقق الا به ، فقد أجازته الشريعة الاسلامية حينذاك ، كإنقاذ المسلم ، أو صيانة عرضه وكرامته ، أو حفظ ماله المحترم ، فإن الكذب والحالة هذه واجب إسلامي محتم ، وهكذا إذا كان الكذب وسيلة لتحقيق غاية راجحة ، وهدف إصلاحي ، فانه آنذاك راجح ومباح ، كالإصلاح بين الناس ، أو إسترضاء الزوجة وإستمالتها أو مخادعة الأعداء في الحروب.

قال الصادق (ع) : «كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلا في ثلاثة : رجل كايد في حربه فهو موضوع عنه ، او رجل اصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى هذا يريد بذلك الاصلاح فيما بينما ، او رجل وعد اهله شيئا وهو لا يريد ان يتم لهم»(٢٢).

—————————
المصادر :
(١) كنز العمال / ٨٢٠٦.
(٢) نهج البلاغة خطبة ٨٤.
(٣) نهج البلاغة – الحكمة ٤٥٨ و ٢٥٢ – الخطبة ١٦
(٤) البحار /٢/٢٣٥/٧٢.
(٥) البحار /١٤/٢٤٩/٧٢.
(٦) البحار ٧٢ / ٢٤٧ / ٨ – ص ٢٥٩ / ٢٢.
(٧) نهج البلاغة – الخطبة ١٩٢.
(٨) ، (٩) ، (١٠) غرر الحكم: ٢٨٧٦، ٢٨٥٥، ٥٦٨٩
(١١) كنز العمال: ٨٢١٧.
(١٢) غرر الحكم: ٣٣٩، ١٢٤٧.
(١٣) ، (١٤) البحار ٧٢ / ٢٤٧ / ٨ ، ص ٢٥٩ / ٢٢.
(١٥) البحار /٣/٢٣٦/٧٢.
(١٦) بحار الأنوار – ج ٢ ، ص ٢٢٥.
(١٧) ، (١٨) الكافي ج ٧ ، ص ٤٣٦ ، ص ٣٨٣.
(١٩) عيون أخبار الرضا (ع): ٢ / ٧٩ ح ٩.
(٢٠) علل الشرائع ٧٨ ح ٤ .
(٢١) الكافي ج ٢ – ص ٣٥٨.
(٢٢) الكافي ١٨/٣٤٢/٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open