الرئيسية / مقالات / “الشعراء” أطفال الفلاسفة الصغار

“الشعراء” أطفال الفلاسفة الصغار

أ.محمد الحميدي

يولد الإنسان ويكبر، وتكبر لديه التساؤلات؛ فمن هذا؟ وما هذا؟ وكيف حصل هذا؟ ولماذا حصلت الأشياء؟ وما أصل الأشياء؟ وأي دور لها في الحياة؟ وأين نذهب؛ حينما تعتل صحتنا، ونشيخ؟ وما الأمور التي سنلاقيها بعد ذلك؟ ويظل التساؤل عن مصير الأجساد، وهل تفنى أم يعاد تدويرها عبر التربة والطبيعة؟ أحد الأسئلة الجوهرية، التي رافقت الإنسانية منذ القدم، وإلى اليوم.
أسئلة كثيرة بلا شك، وهي لا تختص بفرد دون آخر، بل تنتقل بين الجميع، وفي أوقات متفرقة من الزمن، فأسئلة الطفولة، تختلف عن أسئلة الكهولة، وتختلف أيضا عن أسئلة المراهقة والشبيبة، فللزمن دور في صياغة الأسئلة، وتوجيهها ناحية وجهتها، التي يريد.
لا يتوقف السؤال عند الحد الزمني، إذ يتصل اتصالاً وثيقاً بالبيئة، التي يعيشها الإنسان، فللمكان سطوته، كما أن للزمان أثره، حيث البيئة الهشة، والنابعة من الفقر؛ تدفع ناحية أسئلة، لا تخطر على بال الأغنياء والمترفين، وبيئة المغنّين والراقِصين، تختلف أسئلتها عن أسئلة البيئة المتدينة المحافظة.
ما قد نتفق حوله بهذا الشأن، وإن اختلفنا حول السؤال، وطارحه، وزمانه، ومكانه، هو التالي: تنمو الأسئلة، وتكبر لدى الإنسان، وتتوسع بحسب المدارك العقلية، التي يحصل عليها، نتيجة تراكم الخبرات والمعارف؛ حيث يغدو العقل الطارح للسؤال، أكثر دقة في التحديد، وأكثر شغفا بالحصول على الإجابة.
الشغف بالأسئلة وطرحها، والبحث عن الإجابات؛ سمة العلماء، والعقلاء؛ الذين يستخدمون العقل، في توليد أسئلة نوعية وهامة، ربما لا يستطيع غيرهم توليدها، ولعل خير طارح للأسئلة الدقيقة؛ هو الفيلسوف! صاحب العقل المستنير، والمنفتح على الكثير من الإمكانات العقلية والتأملية، لما يدور حوله، ويحصل أمام ناظريه.
مهمة الفيلسوف؛ ليست تغيير العالم، كما قد يتوهم البعض، وإنما طرح الأسئلة؛ التي تساعد العالم على التغيير، فليس بيده عصاً سحرية، يفعل بها ما يشاء، وخصوصا حين يسكن مع مجموعة من الأناس العاديين، الذين لا يدركون المقاصد التي يتبناها، ويؤمن بها، وربما المثال الأبرز؛ يتمثل في الفيلسوف الإغريقي “سقراط”.
نقل “أفلاطون” الكثير من محاورات أرسطو مع العامة، وكيف حاول التأثير على سلوكهم، عبر طرح الأسئلة، أثناء سيره في الأسواق، أو التقائهم، داخل المجالس والمنتديات، إلى أن انتهى به الحال، إلى تجرُّع السم بيده، فمات شهيد أسئلته، بعد أن اتهمه المجتمع؛ بأنه يفسد الشباب، ويعتدي على الآلهة.
من هنا منشأ السؤال وخطره، فالأسئلة ليست وليدة عقل منفصل عن الواقع، بل هي جزء منه، ونابعة من تداعياته، وخطورتها؛ تأتي من عدم انسجامها مع الأفكار، والعادات، والعقائد السائدة، وحالة سقراط ليست الوحيدة، ففي ثقافتنا العربية الإسلامية، ثمة أسئلة اُعتبرت محرمة، وعلى إثرها تبلورت نتائج دموية، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة؛ مثلما هو سؤال “خلق القرآن” لدى “المعتزلة”.
سؤال خلق القرآن: “هل هو مخلوق أم قديم”؟ قضية شغلت الرأي العام الإسلامي، لفترة زمنية ليست بالقليلة، وانقسم الناس على إثرها إلى فريقين؛ المعتزلة في جانب، والحنابلة ومن وافقهم في جانب، والروايات الواردة تبين؛ كيف تعاملت الحكومة العباسية مع القضية، وما العواقب التي طالت العلماء كـ”أحمد بن حنبل”.
أسئلة العقل البشري لا تتوقف، بل الأصح أن نقول: إنها لن تتوقف مهما كان نوع العقاب، أو شدته، ومدى التضييق على السائل وأتباعه، إذ سيجدون مخرجاً لهم، هنا أو هناك، وما اتصال السؤال بالفيلسوف، واعتباره الطارح له؛ إلا بسبب ميراثه العقلي، وقدرته على النفاذ إلى عمق الإشكاليات، وهو ما انتقل إلى العلماء والشعراء في مرحلة تالية.
إن أفضل الأسئلة؛ هي تلك التي يطرحها الأطفال، لأنها تعود بالمرء إلى أصل الأشياء، وتبحث في الكيفيات والأسباب، وهي أيضا لا تُخضع قائلها للمحاسبة؛ لصغر سنه، وعدم تحمله للكلمات والأسئلة، التي تصدر عنه، وهو ما يتشابه مع الشعراء، الذين “يقولون ما لا يفعلون”، ويطرحون الأسئلة، ويمضون، ولا يتحملون عواقبها، حيث تُترك للقارئ؛ كي يفكر فيها، ويصل للنتائج بنفسه.
من هذه الناحية؛ يُعتبر الشعراء أبناء للفلاسفة، وحملة مواريث العقل، والساعين إلى التغيير، ولكنهم يتوسلون طريقاً مختلفاً، فلا يطرحون استدلالات، ولا يقومون باستقراءات، بل يطرحون السؤال ويمضون، تاركين السؤال يفعل فعله في البيئة الثقافية، ولعل خير ما يمكن أن نختم به حديثنا؛ سؤال أبي ماضي الوجودي، الذي مازال يرن منذ خمسينات القرن العشرين، ثم إجابته عليه:
“أيهذا الشاكي وما بك داء؟ كيف تغدو إذا غدوت عليلا”
ثم يقول:
“لا خلود تحت السماء لحي فلماذا تراود المستحيلا”
وأخيراً يختم القصيدة بـ:
“أيهذا الشاكي وما بك داء كن جميلا تر الوجود جميلا”

30 مارس 2021م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open