الرئيسية / مقالات / رحلة الحجَّاج بين احتفالات الماضي وصمت الحاضر!

رحلة الحجَّاج بين احتفالات الماضي وصمت الحاضر!

هلال الوحيد

تتغير العاداتُ الاجتماعيَّة تبعًا لتغيّر أدوات وطريقة سيرِ الحياة، وأحد المتغيِّرات هو وسيلة وطريقة ذهاب وعودة الحجَّاج إلى مكَّة المكرَّمة والعودة منها. ولعلّ من يظن أن هذا التغير أفضل أو أسوء، ولكلٍّ ذوقه في الحياة دونما اعتراض، وأنا أنصح أبناءَ وبنات جيل اليوم الذين لديهم أجدادٌ وجدَّات أن يسمعوا منهم حكايا الماضي، وإن ليس بغرض الاستنساخ.

لم تكن أعداد الحجّاج والاستعداد للرحلة فيما رأيته في الستِّينات وحتى التِّسعينات من القرن الماضي بهذا التطور الحالي، وبالتالي يعتز الأهالي بمن نالته بركةُ البيتِ الحرام وذاقَ ماءَ زمزم وعَلِقَ بثوبه غبارُ المدينةِ المنوَّرة، ويضيفون الى اسمه صفةَ “حاج” بتقدير واحترام. ومع هذه الصعوبة كان فيهم من أدمنَ الحجَّ عشرات السِّنين، رأيتُ منهم المقدَّس المرحوم الشَّيخ علي المرهون طيَّب الله ثراه الذي حجَّ بين الخمسين والستِّين حجَّة مع عددٍ من متعهِّدي الحجّ والعمرة، وأخوه الشَّيخ عبد الحميد المرهون أطالَ الله في عمره، كذلك أو أكثر، وغيرهم من مرشدي الحجَّاج.

طقوس الحجّ في القديم تبدا بالأذان وما يشبه احتفال الأعراس في انتظار الحافلة التي في الغالب كانت تقف في نقطة “تجمع” في البلدة، ثم تنطلق مع حاجيَّات الحجَّاج ومونتهم من زادٍ وماء في رحلةٍ تمتد أسابيع، تبدأ في المدينةِ المنوَّرة وتنتهي في مكَّة. النِّساء تخصص لهنَّ الحافلات المسقوفة، والرِّجال يركبون سيَّارات النَّقل – دون سقف – فوق أمتعتهم. سفرةٌ أصعب بكثير مما هي عليه الآن، إمَّا في الحافلات المكيَّفة المريحة أو في الطائرة، مع عناية طبيَّة وإرشاد وأكلٍ طيِّب وسكنٍ مريح! كل ذلك لم يتوفر حينها مع المتعهِّدين التقليديين، مع تفاوتٍ بسيط في مستوى الخدمة من متعهِّد لآخر.

كان المكتوب والرِّسالة الخطيَّة هي وسيلة التَّواصل الوحيدة، قبل الهاتف، حيث ربَّما وصلت بعد عودة من يرسلها بعدة أيام. وبقي تواصل الحجّاج مع ذويهم في بلدهم ضعيفًا حتى ثورة الاتصالات المتنقلة والتَّطبيقات الاجتماعيَّة التي سهَّلت كلَّ ذلك في الزمن الحاضر.

يرافق عودة الحجَّاج انتظار الأهل والأصدقاء وعامَّة النَّاس في السِّوق أو الخروج إلى أطرافِ البلدة مهلِّلين ومكبِّرين، وفي بعض البلدات رافعين سعفَ النَّخيل الأخضر في احتفالٍ بهيج، يترقبون عودةَ الحجَّاج في الحافلات ووسائل النَّقل التي أقلَّتهم. وحين يقترب الحجَّاج من البيوت يزداد التَّهليلُ والتَّكبير ويتسابق النَّاسُ لاحتضانهم وتقبيلهم. وما ان تطأ أقدامهم الأرض حتى تبدأ الزِّيارات والوفود بين داعٍ ومُسَلِّم ومُهنِّئ ومُترقِّب لهديَّة من كيسِ الحجَّاج وحلوى مكَّة.

الآن، نادرًا ما يجلس الحاجّ في انتظار الزوَّار، فهو قد يعود في – مثل هذا اليوم – مساء اليَّوم الثَّاني عشر من ذي الحجَّة ويعلم النَّاس وأهله موعدَ الوصول. واستبدل التَّواصل والزِّيارات والاحتفالات برسائل صامتة أو مهاتفة شخصيَّة، والقلة من يتلقى زوَّارًا في داره.

هذا وجهٌ واحد – مختصر – من رحلةِ الحجّ التي أصابتها سنَّةُ الله في الكون، كمثل بقية رحلاتِ الحياة، ومن يدري كيف تكون هذه الرحلة بعد سنوات؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open