الرئيسية / مقالات / مسيحيٌّ شربَ من غديرِ ابن أبي طالب: “بولس سلامة” فهل فينا مثله؟

مسيحيٌّ شربَ من غديرِ ابن أبي طالب: “بولس سلامة” فهل فينا مثله؟

هلال الوحيد

أن يمدحني شاعرٌ أو كاتب فهذا قد يزيدني رفعةً ومكانة، لكن هناك من النَّاس من يأخذ بضَبعِ مادحيه ويرفعهم نحو السَّماء، ويخلِّد أسماءهم في التَّاريخ، وعليّ بن أبي طالب عليه السَّلام واحدٌ من هؤلاءِ النَّاس الذين يرفعونَ اسمَ من يمدحهم ويكتب فيهم!

سكبَ هذا الشَّاعر عواطفَ الأفراحِ والأحزان في هذه الملحمة البديعة، فحريٌّ بنا أن نقرأها، فهي ليست من القصائد التي تستطيع أن تنتقي منها واحدةً وتضمِّنها في مقالٍ قصير، لأن كل معزوفةٍ أجمل من أختها، فما تدري ما تنتقي منها وما تصيد! مسيحيُّ الدِّيانة، علويُّ الهوى، خلَّدته هذه الملحمة، أفلا يحب شعراؤنا المبدعون أن يدخلوا إلى الذِّكرِ الطيِّب الخالد من هذا البَّاب العالي، أفضل من الغزلِ والقيل والقال والترَّهات، وهم كثر؟ أما والله لو كنتُ شاعرًا لأكثرت في عليٍّ مديحي!

بولس سلامة، المولود في جنوبِ لبنان سنة ١٩٠٢م والمتوفى سنة ١٩٧٩م، خلَّده حبُّ عليّ ومدحه له حين كتبَ ملحمةَ الغدير، ملحمة شعريَّة رائعة وفيها فصل عن يومِ الغدير. هذه الملحمة منظومة في أكثر من ثلاثة آلاف بيت موزَّعة على سبعة وأربعين فصلًا، يبدأها الشَّاعر بقصيدةٍ عنوانها “صلاة” يشير فيها إلى معاناته من المرض الذي أقعده في الفراشِ قرابةَ أربعينَ عامًا أُجريت له خلالها أكثر من عشرين عمليَّة جراحيَّة، ثم إذا ذكرَ يومَ الغديرِ يقول:‏

عادَ من حجَّة الوداعِ الأخير … ولفيف الحجيجِ موجُ بحورِ
لجَّة خلف لجَّةٍ كانتشارِ الغيوم … صبحًا في الفدفدِ المغمورِ
إلى أن يقول:
وإذا بالنبيّ يرقب شيئًا … وهو في مثلِ جمدةِ المسحورِ
جاءَ جبريلُ قائلًا يا نبيَّ الله بلِّغ كلامَ ربٍّ مجيرِ
أنتَ في عصمةٍ من النَّاسِ فانثر … بيِّناتِ السَّماء للجمهورِ
وأذعها رسالةَ اللهِ وحيًا … سرمديَّا وحجَّةً للعصورِ

وماكان منه صلَّى الله عليه وآله إلا أن أعلنها للدهور:
أيَّها النَّاس إنما الله مولاكم … ومولايَ وناصري ومجيري
ثم أني ولِّيكم منذ كان الدهرُ … طفلًا حتى زوال الدهورِ
يا إلهي من كنتُ مولاهُ حقًّا … فعليٌ مولاه غير نكيرِ
يا إلهي والِ الذين يوالونَ أبنَ عمِّي وانصر حليفَ نصيري
كن عدوًّا لمن يعاديه واخذل … كلَّ نكسٍ خاذلٍ شرِّيرِ
قالها آخذًا بضَبعِ عليٍّ … رافعًا ساعدَ الهمامِ الهَصورِ
لاحَ شَعْرُ الإبطين عند اعتناقِ … الزَّندِ للزند في المقامِ الشَّهيرِ
فكأنَّ النبيّ يرفع بندَ العـزِّ عيدًا للقائدِ المنصورِ
راويًا للزمانِ فضلَ عليٍّ … باسطًا للعيونِ حقَّ الوزيرِ

كلّ عامٍ وأنتم بخير، اقرأوها بمناسبة يوم الغدير، فهي بحقّ تستحق القراءة. وإذا كنتم شعراء فانظموا مثلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open