الرئيسية / مقالات / السفَّاح والصِّبية والكذبة الورديَّة!

السفَّاح والصِّبية والكذبة الورديَّة!

هلال الوحيد

تخيل أنّ سفاحًا طرقَ بابكَ تحت جُنْحِ الظَّلام وسألكَ عن مكانِ أولادك الصِّغار ليقتلهم، فهل تخبره أينَ هم لأنّ الكذبَ ليس من الأخلاق تحت أيّ ظرف، أم تكذب وتحمي أولادك؟

بحسب رأي الفيلسوف إيمانويل كانت – أو إيمانويل كانط – وهو فيلسوف ألمانيّ من القرنِ الثامن عشر (١٧٢٤ – ١٨٠٤): لا تكذب، لا تسرق، لا تستغل الآخرين، كن حسن التعامل مع الآخرين، و”لا تضع استثناءات”.

لاقى رأي كانط اعتراضًا في القصَّة المفترضة السَّالفة الذكر، فاستعانَ أصحابه بالكذبةِ البيضاء، كأن يغير صاحبُ الدار الحديث، أو يقدّم النصيحةَ للسفّاح، فهل إذًا هناك كذب بالألوان، أم لا يجوز الكذب بتاتًا، وإن أعقبَ الصدقُ ضررًا – لا يحتمل – في الدِّين أو الدنيا؟

لا أعلم ماذا يفعل القارئ الكريم في هذه المعضلة، هل يهتمّ بلون الكذبة؟ أم لا فرقَ عنده في هذه اللحظة المأساوية أن تكون الكذبة بيضاءَ أو سوداءَ أم وردية، كيف يهتم وفي مثل هذه الحالة، الله يقول: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ}، فهل يتوهمنّ أحد أن الله سبحانه يؤاخذ ويكلف بما فوقَ الطَّاقة والاستطاعة؟ فإذا تزاحمت النجاةُ من الهلاك ولازم ذلك الكذب، فالكذب أرخص، وفي هذا قالَ النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله): “إن الله عزّ وجلّ أحبّ الكذبَ في الصَّلاح، وأبغضَ الصدقَ في الفساد”، وقال الإمامُ الصَّادق (عليه السلام): “الكذبُ مذمومٌ إلا في أمرين: دفع شرِّ الظلمة، وإصلاح ذاتِ البين”.

بعض الفضائل لا تبقى مطلقة، حيث تقيدها الظروفُ وحالات الضَّعف البشريّة، فهذا التاريخ يروي أن قريشًا أكرهوا عمَّارًا وأبويه ياسرًا وسميَّة على الارتداد فلم يقبله أبواه فقتلوهما وأعطاهم عمَّارُ بلسانه ما أرادوا مكرهًا، فقيل يا رسولَ الله إن عمارًا كفر، فقال: كلَّا إن عمارًا ملئ إيمانًا من قرنهِ إلى قدمه، واختلطَ الايمانُ بلحمهِ ودمه، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله عمَّارُ وهو يبكي فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه فقالَ: مالكَ؟ إن عادوا فعد لهم بما قلتَ لهم!

وليس من المستبعد أن لو طرقَ هذا السَّفاح المفترض بابَ – الفيلسوف – كانط، قاصدًا أذية أولاده، لبادر لقتله إن استطاع، أو استنجد بالكذبِ ليحميهم من القتل، فمن السَّهل التنظير دونما امتحان، وفي المثل “الماء يكذِّب الغطّاس”. والعقل يحكم بضرورة دفع الضرر والأذى عن النفس، والعقل حاكم على الجميع، على كانط وعلى غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open