الرئيسية / مقالات / التصيّد الإلكتروني.. حسابات وهمية إجرامية افتراضية

التصيّد الإلكتروني.. حسابات وهمية إجرامية افتراضية

زكريا أبو سرير

ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: “حفظ التجارب رأس العقل” {العقل والجهل في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص 110}.

كثيرة هي التجارب والأحداث والقصص التي مرت علينا في هذه الفترة، بالتحديد بما يخص طرق الاحتيال والنصب والسطو الإلكتروني بأشكالها وعناوينها المختلفة، وتتكرر هذه الأحداث بصورة مستمرة، فهي تطرق أسماعنا بأن فلانًا من الناس قد وقع في فخ المصيدة الإلكترونية، ما يوحي لنا أن هذه الأفخاخ (المصائد) تتكرر مع تنوع أساليبها، وسمعنا عشرات من القصص في هذا الشأن، وبعضهم قد لا يمضي عليه بضعة أيام فإذا به يقع في الفخ نفسه، وكأنه لم يدرك ولم يسمع ولم يتعظ من تجارب غيره، وكأن قدراته العقلية مستثناة عن غيره، أو أنه يتفرد بحماية شخصية أمنية لا يخترقها حتى الجن الأزرق.
التصيّد الإلكتروني، هو أحد أشكال الهجمات الناعمة الإلكترونية، ينتحل المهاجم هيأة شخص أو جهة معروفة أو مرموقة بإرسال بريد إلكتروني محتويًّا على تعليمات أو رابط، وكأنه موقع جدير بالثقة، وهو في الحقيقة موقع وهمي يطلب منك إدراج معلومات شخصية كهوية المستخدم وكلمة المرور وبيانات الحسابات والبطاقات الائتمانية.
في عصرنا هذا مع انفجار المعلومات العلمية الهائلة والتطور الإلكتروني السريع الذي أصبح يمثل عصب الحياة بما تحمله هذه العبارة من مفهوم ومعنى، وبهذا التغيُّر والتطوُّر تغيرت معه مفاهيم كثيرة في الحياة، فلم يصبح زمان آبائِنا كزماننا، لا في التفكير ولا في الأمنيات الحياتية ولا في الرؤية المستقبلية.
والشغف الذي يحمله الإنسان اليوم للاكتشافات والابتكارات أصبح لا حدود له عبر هذه الوسائل الإلكترونية الحديثة والمتطورة، وهذا شكَّل حالة من النَّهَم المعرفي الذي نشاهده في كافة مفاصل الحياة، مما تعين أن يصبح هذا الشغف حالة من التسابق المعرفي على جميع الأصعدة العلمية والثقافية والتكنولوجية، وهذا الاندفاع نحو ما هو جديد ومتطور ومتغير وإيجابي شكَّل في الوقت نفسه حالة من المخاطر المدمرة لدى كثير من شرائح المجتمع، وذلك بسبب غياب المعرفة الكاملة في طريقة التعامل مع هذا المستجد والحديث، ومن جهة أخرى قلة الخبرة في فهم مخاطر هذه المستجدات التي أصبحت تحوم من حولنا وبإرادتنا.
واحدة من هذه المخاطر الرئيسة في عصرنا الحاضر والمتطور هي الجريمة الإلكترونية الحديثة والمتطورة، وهي تبعث على القلق والخوف، ولها أشكال وعناوين متعددة، منها الجريمة الأخلاقية ومنها الجريمة الدينية ومنها الجريمة المالية، وهنا نفهم أن العلم النافع للبشرية ليس هو فقط من يتطور أو من يحتاج إلى تحديث لمواكبة عصره وزمانه حيث المعلومة والسرعة وسهولة الوصول إليها من دون أي مشقة، وهو عامل مهم في وقتنا الحاضر، فهي تنحصر في عمل الخير فحسب، إنما يساير هذا التقدم أصحاب العقول الإجرامية التي سارعت في ركب هذه الموجة الحضارية ووظَّفت إمكانياتها فيما يخدم أهدافها الشيطانية، وأصبح لها مكانة بين هذه التكنولوجيا العظيمة، وأخذت تسبح في فضاء التطور والتحديث، وأصبح لها لغة ناعمة تخاطب بها من تستهدفهم من ضحاياها، وتوقعهم في المصيدة الإلكترونية التي نصبتها لهم وبإرادتهم.
لعلة أبرز هذه الجرائم العصرية التكنلوجية على المشهد العام هو السطو المالي الناعم الإلكتروني عبر حسابات وتطبيقات إلكترونية لا يعلم بإمكان تواجدها إلا الله، فأصبحت الجريمة المباشرة نوعًا من التخلف في علم الجريمة لدى أصحابها والمراقبين حتى إليها، وليس هناك حاجة للسطو على مال شخص أو جهة اعتبارية، فإنها تستغرق وقتًا وتفكيرًا طويلًا لرسم الخطط وإعداد الخرائط وتجهيز السلاح الأبيض أو أي نوع من الأسلحة النارية، فتحول مفهوم السطو الإرهابي العنيف إلى سطو ناعم ومنظم وبطرق سهلة وممكنة ومن دون أي خسائر في الأرواح والأموال أو أي نوع من الخسائر أو المخاطر الإجرامية المعروفة في السابق، أو كالذي كنا نشاهدها عبر الأفلام الأجنبية.
القصص الكثيرة التي نسمعها ونقرؤها بشكل يومي أو بين ألفينة والأخرى على المستوى المحلي والعالمي من عمليات النصب والاحتيال التي تقوم بها هذه المجموعات الإرهابية والإجرامية، بواسطة اختراق حساباتها البنكية التي يصعب (بل يستبعد) اختراقها من قبل الهاكرز أصحاب الخبرة، ولولا تمكنهم من خداع أصحاب هذه الحسابات البنكية لما تمكنوا من السطو عليها.
وأصبحت سهولة التمكن من السطو على هذه الحسابات البنكية من قِبل هذه المجموعات الإرهابية عبر قنوات التحويل المالي الإلكتروني من اختراق لتلك الحسابات البنكية المحصنة ببرامج حماية قوية وصلبة، عبر مساعدة ودعم ورضى أصحابها طمعًا في زيادة رأس مال وتحسين من مستوى الحساب البنكي المملوك لصاحبه، إذ إنه هو الوحيد القادر على فك شفرات ذلك الحساب الخاص به، عندما يكسر حاجز السرية عنه ويكشف أرقام حساباته وكلمة المرور الخاصة به للآخر، وهي تعدُّ المفتاح الرئيس لفك شفرة هذا الحساب، ومن ثَمَّ قدرة المجرم على سلبه في ثوانٍ معدودة، ليترك ذلك الحساب الممتلئ بملايين الريالات إلى حساب الرقم فيه “صفر”؛ حينها يتحول صاحبه من شخصية اعتبارية اجتماعية أو شخصية تعيش برفاهية وحياة كريمة، إلى شخصية عاجزة عن تأمين أبسط ما يحتاجه الإنسان كقارورة ماء، وذلك سببه الشغف والنهم وراء المال دون البحث عن مصادر ووسائل تحصيله وفق القانون والشرع، وهذا ما يسمى بالطمع الذي يسلب إرادة الإنسان عن التفكير السليم لاتخاذ القرار المناسب والمنقذ لحياته بين غناء مغلف بقناع زائف وبين موت اجتماعي حتمي.
تساؤل هام نوجهه لأنفسنا وإلى غيرنا: متى نصل إلى درجة وعي مخاطر هذه الجرائم المتطورة والخطيرة والمتكررة بأشكالها وألاعيبها المتنوعة؟ هذا بالرغم من الإعلانات والإرشادات التي تبثها الجهات الأمنية المختصة بهذا النوع من الجرائم الإلكترونية على مواقعها الرسمية الواقعية والافتراضية، وفي الصحف الرسمية وغيرها للمواطنين والمقيمين، وما تقوم به المصارف البنكية من دور نشط في توعية عملائها من مخاطر هذه الجرائم الإلكترونية في كل لحظة، عن طريق التوجيه الورقي تارة وعن طريق أجهزتها الإلكترونية تارة أخرى، وعن طريق ما ترسله للمواطنين والمقيمين بشكل مستمر ومنظم وبدون أي كلل أو ملل إلى هواتفهم، ذلك كله لرفع منسوب الوعي لديهم ولحفظ أنفسهم وأموالهم، ولأجل تحقيق الأمان الحياتي والمالي، ولأجل أن لا يقع أصحابها في المصيدة الإلكترونية الإجرامية التي تؤدي بهم إلى المحاسبة القانونية، فضلًا عن الإفلاس المادي، وليس الإفلاس المالي فحسب، بل إلى الضياع: المستقبلي والشخصي والأسري والاجتماعي.
هناك بعض المؤشرات التي تساعد على كشف بعض هذه ألاعيب هذه المجموعات الإجرامية الفاعلة والنشطة على الواقع الافتراضي على الشبكات العنكبوتية الإلكترونية الإجرامية، وهنا ينبغي لكل واحد منا أخذ الحذر والانتباه والتركيز واليقظة لأجل أن لا يقع في المصيدة الإلكترونية، ولإخفاق تحركاتهم وإفشال خططهم، وهو تحت عنوان ما يسمى بالوعي بالأمن السيبراني الحديث والمعاصر.
وهي على سبيل المثال لا الحصر:
– توخي الحذر من أي بريد إلكتروني يتضمن طلبات عاجلة للحصول على معلومات شخصية أو مالية.
– عدم استخدام الروابط في الرسالة الإلكترونية للوصول إلى صفحة الويب إذا ساورك أدنى شك من الرسالة المرسلة إليك. على كل واحد منا التحقق بل يجب التأكد من عنوان البريد الإلكتروني للمرسل. ينبغي الحذر من الرابط المرفق وانه يحتوي على القفل الأخضر.
– يجب التأكد والتحقق من استخدام موقع ويب آمن عند إرسال المعلومات الحساسة. تأكد من أن المتصفح الخاص بك محدث بأحدث التحديثات الأمنية. لا تتعامل مع أي نوع من أنواع الحماية رخيصة الثمن، تأكد من وجود بيانات المرسل كاملة في نهاية البريد مع كيفية التواصل.
– تَوَخَّ الحذر الشديد من الرسائل الوتسابية الغريبة في شكلها ومضمونها. لا تتجاوب مع أي رقم جوال غريب وغير مقيد في قائمتك الخاصة.
– تعامل مع الحسابات الافتراضية أنى كان نوعها بحذر وجدية، فأصحاب الحسابات الافتراضية الوهمية يحملون مستوى عاليًّا من الذكاء والخبرة الواسعة، فهم أصحاب تخصص في هذا المجال، وفي كيفية إعداد النوع من الجرائم الإلكتروني (التصيّد الإلكتروني).
أنا وأنت مطلوب منا رفع منسوب ثقافتنا الإلكترونية العصرية بالقدر المستطاع، وبالخصوص بما يرتبط بهذا النوع من الإجرام، وذلك عن طريق مراكز ووسائل التثقيف المنتشرة في بلادنا الغالية، وهي المواقع الموثوقة كالقنوات الأمنية الرسمية والبنوك المحلية أو من المنشآت المعروفة والمتخصصة في هذا المجال، وهنا أود الإشارة لأمر مهم: عندما يساورك الشك عند حدوث أي نوع من هذه الأمور أو غيرها عليك بالإبلاغ فورًا عنها لدى الجهات الأمنية المحلية، وفي أسرع وقت ممكن من دون تردد أو تأخير. إن حماية الوطن من حمايتك تمامًا، فهي مسؤولية الجميع، وهي مسؤولية وطنية ودينية وشرعية.
دمتم سالمين وكفانا الله و إياكم شر كل يد عابثة بأمن الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open