الرئيسية / مقالات / المعلمون جنود خلف الشاشة

المعلمون جنود خلف الشاشة

نرجس الجمعان

ابتدأ الله عز وجل سورة الرحمن برحمانيته، وأتبعها مباشرة بالحديث عن العلم، فقال تعالى: {ٱلرَّحۡمَـٰنِ * عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ}، مما يدلّ على أنّ المعلّم لا بدّ له من رحمة وشفقة على كلّ الطلاّب. ثمّ بعد الرحمة يأتي دور التعليم: {عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ}، وجاءت هذه الآية قبل ذكر خلق الإنسان، وهذا يعني أنّ القرآن كان قبل الإنسان، ثمّ خلقه وعلّمه البيان، بمعنة بيان ما جاء في القرآن، الذي هو مجموع ما جاء في الكتب السماوية وفيه كلّ شيء : {وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ في إمام مُبين}.

وإنّما الله يعلّم الإنسان البيان بحجّته الباطنية (العقل السليم والفطرة السليمة) وبحجّيته الظاهريّة النبي وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام  ولذا فإن ديننا الكريم حثّ على العلم والتعلم.

وإنّي أتفاجأ عندما يتم تسقيط وتهميش دور المعلم لأعوام، فكلنا قد مررنا بالتجربة القاسيه التي تتمثّل في التعليم الإلكتروني في ظل هذه الجائحه التي جعلتنا نستشعر النعم التي لم نشكر الخالق فيها لنشكر المخلوق بعده.

وفي حوار أشبه ما يكون بالخواء دأر بيني وبين إحدى الأخوات جعلني اتساءل حقاً ما الذي بينها وبين المعلم لتحمل في قلبها هذا الحقد الدفين؟

المعلم هو من يربي ويحتوي الطلاب، ويبني ويغرس القيم فيهم، وهو بمثابة حجر الأساس لبناء المجتمع .

كما أن المعلم يربط التربيه بالتعليم فيدمجها  بالقيم الدينية والأخلاقية. وفي بعض الحالات قد يشعر الطالب بالأمان الذي قد يفقده أحياناً في منزله.

كما أن بعض المعلمين يتابعون الطلاب حتى في حالات المرض، فالبعض قد يكتشف حالات ضعيف البصر، أو السمع، لدى الطلاب التي قد يغفل عنها بعض الاهالي  فيتخذ الإجراءات المناسبة تجاه ذلك.

وفي هذا السياق ينقل لي أحد المعلمين أنه يعين من راتبه الخاص شهرياً مصروفاً لطلاب حالتهم المادية ضعيفة، كي لا تتأثر مسيرتهم التعليمية، وفي بعض الحالات يتجاوز الأمر لمتابعة معيشة الطالب من مأكل وملبس أيضاً.

وليس هذا هو النموذج الأوحد من المعلمين، فمجتمعنا يزخر بنماذج كثيرة على هذا الصعيد، وهذه النماذج جعلت من التعليم ليس مجرد مكاناً لتلقي العلم وإنما هو رسالة شاملة لجميع مناحي الحياة.

وهناك نماذج من المعلمين أثروا العملية التعليمية بزرع القيم والأخلاق في نفوس الطلاب، وغرس الأهداف بعيدة المدى بحيث يرتقي الطلاب بتفكيرهم فيخططون لمستقبلهم بما يستقونه من إلهامات من قبل المعلمين الأكفّاء.

إن التعليم وظيفة مهمتها الأساسية تعليم وتربية الناشئه على الأسس الصحيحة التي تعزز الثقة بالنفس، وتحفّز الطلاب لشق طريق المستقبل بما يحملونه من وعيٍ ومعرفة.

من هنا ينبغي أن تتغير نظرة المجتمع للمُعلم، فهي رسالة الأنبياء، كما بنبغي أن تتغير نظرة المعلمين أنفسهم فالتعليم ليس مجرد وظيفة يتقاضى المعلم فيها راتباً شهرياً، إنها رسالة تربوية تتطلب الإيمان لها كي تتحقق النتائج المرجوة.

وهنا أستحضر ما قاله سيّد الساجدين الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) عن حق المعلّم : 《وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه ، وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه ، وألاّ ترفع عليه صوتك ، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتّى يكون هو الذي يجيب ، ولا تحدّث في مجلسه أحداً ، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء ، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ، ولا تجالس له عدوّاً ولا تعادي له وليّاً ، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله جلّ وعزّ بأ نّك قصدته ، وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس》.

وفي ختام حديثي أقدم باقة شكرٍ وعرفانٍ وامتنانٍ لأؤلائك المعلمين والمعلمات الذين نذروا أنفسهم لهذه الرسالة التربوية، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، وفي ذات السياق يقول الإمام الكاظم (ع): “قلة الشكر تزهد في اصطناع المعروف”.

فشكراً لسفراء العلم والتعليم، وألف رحمة ونور على ذلك المعلّم الذي حين أذكره تخنقني العبرة، فقد مضى عنا في عزّ شبابه، لقد كان نموذجاً رائداً في التعليم، احبّ طلابه وأحبوه، ومضى سريعاً فترك في القلب جرحاً سيبقى مدى الأيام والأزمان حاضراً لا يغيب.

فرحمة الله عليك يا أبا جواد، وجعل مثواك الجنة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلائك رفيقاً.

وإلى روحه الطاهرة نهدي سورة الفاتحة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open