الرئيسية / مقالات / عيال “الخَلال” .. شيء من الذاكرة!

عيال “الخَلال” .. شيء من الذاكرة!

هلال الوحيد

إذا كنتَ من الَّذين يستطيبون أكل “خَلال” النَّخل فأنت الآن في العقدِ السادس وما فوق من عمرك، وهذه الذكريات تعني لك الكثير!

بدأت حبيباتُ ثمر النَّخل تتكور، خضراء مثل حبَّات الزيتون، قبل أن تتلون وتصير بسرًا ثم رطبًا جنيَّا. هي الآن، في هذه الفترة، تسمى “خَلال” والواحدة خلاله! ليس لجيل اليوم أيّ علاقة تذكر بالخَلال، بينما كان بين الخَلال وبين الأجيال السابقة علاقة ودّ ومنفعة. أَكلنا الخلالَ، أَطعمناه للحيوانات، وزيَّنا به أجيادَ الفتياتِ الغيدِ الحسان. كنا نتراكض، صبايا وصبيانًا، نتسابق في بساتينِ النخيل، نجمع اللين الطريّ منه في أحضاننا ونأخذه إلى البيوت.

الخَلال، على صغره وحقارته، كان في الماضي مادَّة غذائيَّة، تُجمع وتباع وتشترى، قبل أن تتوفر البدائل الحديثة. تجمع وتأكل وتعطى علفًا وغذاءً للدوابّ والحيوانات. من أمثال الماضي: “أَعطَوه خلاله وتَلَّمسوا كَفْلِه”. يحكي المثلُ الشعبيّ “القطيفيّ” عن الشخص الذي يستعجل النتائج، فبعد أن يُطعم الخروف خلالةً “واحدة” يبحث عن الشحمِ في كَفله وعَجزِه!

عاشَ أغلب النَّاس في ذلك الزمان على الكفافِ من الرزق، فلا شيء يُرمى ولا شيءَ يُهمل، إن كان فيه فائدة. أما اليوم – لله الحمد – وإن كان يوجد فقراء، إلا أنهم يأكلون ويلبسون جيدًا في الحدّ الأدنى! أهل هذا الزمان لا يطربهم الخَلال، إلَّا كبار السنّ، فهم يأكلونه لا لحاجةٍ منهم، بل لمذاقه الذي يحتفظون به في ذاكرتهم كما يحتفظ السكارى التائبون بطعمِ بنتِ الكرمة المعتَّقة في سجلَّات خطاياهم.

نشكر اللهَ على نعمهِ، وعلينا الحفاظ عليها لكي لا تزول. من عاشَ في الزمن الماضي يفهم جيدًا قيمةَ الأشياءِ البسيطة، من مأكل وملبس ومسكن. الأجيال الحاضرة لم تُعصر وتُدعك كما الأجيال قبلها، إلا أنه من الواجب عليها أن تقرأ التَّاريخَ جيِّدًا وتتَّعظ من تقلباته، فلا بلاءَ يدوم ولا نعمةَ تدوم “وتلك الأيام نداولها بين النَّاس”.

عن رسولِ الله (صلى اللهُ عليهِ وآله): “أحسنوا مجاورةَ النعم، لا تملّوها ولا تنفروها، فإنّها قلَّما نفرت من قومٍ فعادت إليهم”. من يقرأ تاريخ البشر، قديمه وحديثه، يجد فيه الكثير والعجيب من حكاياتِ تحول النعم عن أقوامٍ وتوحش الدنيا عليهم، وذهابها إلى قومٍ آخرين!

منطقيّ جدًّا أن تحافظ المجتمعاتُ والشعوب على ثرواتها وتُحسن استخدامها، وتستفيد منها في استيلادِ نعمٍ أخرى، لأن النعم إذا ما فرَّت وهربت، لا ضمانَ أن تعود “أحسنوا جوارَ النعم، فإنها وحشيَّة ما نأت عن قومٍ فعادت إليهم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open