الرئيسية / مقالات / الطربوش الأسود!

الطربوش الأسود!

هلال الوحيد

دعكم من تاريخ ذلك الطربوش الأسود، أو القبعة والتي هي جزءٌ من اللباس الجامعي، يُوضع على الرأس في حفل التخرج وتتكون من لوحة مربع أفقي مُثبّت على قبعةٍ ضيّقة، وشُرّابة “ضمّة من خيوط” يُعلَّق طرفُها الواحد بالطربوش ويتدلّى الآخر من المركز. في هذا الحفل يحضر الآباءُ والأمهات إن استطاعوا، وبعضهم لا يحضرون لاعذارٍ شتى.

ذلك الاحتفال القصير حصيلة جدٍّ واجتهاد في أربع سنوات أو أكثر. ويا لله، كم يدخل من فرحٍ وزهو في قلوب وأرواح الطلاب المتخرجين! لكن من تظنون يفرح أكثر، الطلاب والطالبات، أم الآباء والأمَّهات؟ أنا أحلف لكم أن فرح الآباءِ والأمهات أطول وأعرض وأعمق من فرح المتخرجين.

كم تساوي فرحة أمّ وأب بحصول ابنٍ أو بنتٍ على شهادة تخرج، إيذانًا بدخول عالم الكبار عن جدارة واستحقاق؟ فرحة لا تقل عن فرحة زارع القمح عندما يَتسنبل مؤذنًا بالنضجِ ثمَّ الحصاد. قمح استثمر فيه زارعه المالَ والجهد وحبَّات العرق. فرحة لا تباع بطنّ من الجواهر والذهب.

ينهض الأب باكرًا نحو العمل ليلًا أم نهارًا، لا يهمّ. أول ما يخطر في باله متى يكبر الصغار وأرتاح؟ الآن لا راحة، بل مثابرة وعمل. تعليم وتطبيب، أكل ومسكن، كل ذلك من أجل الصغار! أمَّا الأم – رحم الله كلّ الأمهات – تؤدي دورها المضني في تربية وتنشئة الأطفال وبعضهنّ يعملن بدوامٍ كامل. منذ أيَّام المهد الأولى تسأل طفلها: متى تكبر وتشاركني فرحةَ وضيم الأيام؟ متى تكون رجلًا؟ متى تكونين فتاة؟ هذه الدروس والقيم العمليَّة والأحلام لم تكتب في كتاب، ولا تدرس في مدرسة. هي قيم زرعها الله في قلوبِ الآباء والأمهات.

أنا شخصيًّا قبل سنوات، طالما كنت أغمض عينيّ وأتأمَّل: ماذا سوف يصبح أولادي وبناتي؟ متى يكبرون ويتخرجون؟ متى يحققون أحلامي فيهم؟ وأجزم أن أمهم كانت تتأمل أكثر وأطول مني!

أما الآن، يا شابّ ويا شابَّة، وقد لبستَ الطربوش، تذكر من ألبسكَ الطربوش، أباكَ وأمَّك. لا تنسى لحظةً واحدة أنهما من أوصلاكَ بفضل الله ومنّه لهذا الاحتفال وهذه المشية، وألبساكَ هذه الملابس الخاصَّة.

تذكر أن تُلبس أولادكَ وبناتك هذا الطربوش الجميل، زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون، وحبَّذا لو صنعتَ لهم أكثر. انتهى الآن زمن الطربوش الجامعي، وتعود الأشياءُ لأصلها، إذ يحكى أن “قلنسوة التخرج” جاءت بالأصل من أداةٍ كان يستخدمها عمّال البناء لحمل الاسمنت خلال عملية البناء. انتهت الإجازة، وحان الوقت لتأخذ دوركَ في الحياة الطبيعيَّة، في البناء والعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open