الرئيسية / مقالات / اللهمَّ اجعلنا سنابلَ قمح تلين ولا تنكسر!

اللهمَّ اجعلنا سنابلَ قمح تلين ولا تنكسر!

هلال الوحيد

صباحَ اليوم كانت الأشجار تهتزّ بعنف، وأنتم رأيتم أشجارًا كثيرة في هذه العاصفة، أو في مكانٍ أو زمانٍ آخر، أبت أن تلينَ فانكسرت وتبعثرت، ثم ماتت. هكذا هي الحياة في فصولها كرياحٍ عاتية أو نهرٍ جار!

في نهاية كلِّ عاصفة، ابحث عن الأشجار التي لم تلن، أينَ هي الآن؟ ربَّما أصبحت وقودًا في مدفأة، أو في تنور شواء أحدهم. أما الأشجار التي أطاعت طبيعتها ولانت، فهي الأشجار التي تراها واقفةً صلبةً وشامخة.

ماذا يحدث لكَ لو قاومتَ العاصفة أو سيلَ الماء الهادر؟ العاصفة تكسرك والسيل إما يجرفك نحو المجهول، أو يحطمكَ قطعًا صغيرةً، تتشظى وتتناثر. وإن كنت صخرةً كبيرة يفعل السيلُ فعله في تعريتك. عنه (صلى الله عليه وآله): “مثل المؤمن كمثل خامةِ الزرع من حيث أتتها الريحُ كفأتَها فإذا سكنت اعتدلت”.

لابد من مسايرة الحياة في كثيرٍ من جوانبها، كانت بسيطة ثم تعقدت وازدادت تعقيدًا في الاقتصاد والأمن والسلامة، والعلاقات والتدين، والتربية، شبكة مثل خيوط العنكبوت، تزداد تشابكًا كل لحظة. كل يوم يتلون هذا الزمان في لونٍ ويتشكل في شكل، حتى صرنا لا نعرف له لا شكلًا ولا لونًا، فعلى العاقل أن يعرف أين تطأ قدماه!

الغرض من حكاية الشجرة والنهر، أن الشجرة – العاقلة بفطرتها – تتعلم مع كلِّ هبَّة ريح أيّ جهةٍ تميل، وبعد كل عاصفة تستقوي. وكلّ ضربة لا تقتل الإنسانَ – العاقل – تزيده قوةً وصلابة. وعندما نتكلم عن الإنسان كم هي الأحداث التي تعصف به كلَّ لحظة، خلا الموت؟ أدع لخيالِكم الواسع بعض أصناف هذه الأحداث!

{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، عيِّنة صغيرة من الرياح التي تهب في الحياة، سننًا كونية، اللهم اجعلنا فيها سنابل قمح “تستقيم مرَّة وتحمرّ مرَّة”. ألطاف إلهية كبيرة، يعطيها الله للصابرين الصامدين الثابتين في هذه العواصف: أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة!

اسألوا اللهَ عزّ وجل أن يقينا شرورَ الفتن، ويبصرنَا المخارجَ منها، وأن يجعل امتحاننا على قدرِ عقولنا وأجسادنا وتحملنا. وأن لا تكون نعمه علينا نقمًا. يروى عن الإمام عليّ (عليه السلام) قوله: إذا رأيتَ ربكَ يوالي عليك البلاءَ فاشكره، إذا رأيت ربكَ يتابع عليك النعم فاحذره.

ننحني، نستقوي ونسلم، ثم تهدأ الريح وتنتهي العاصفة، فكل ليلٍ وإن طالَ ينجلي، ثمَّ تطلع الشمس بعده من الشرق وينتشر الضياء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open