الرئيسية / مقالات / كيف أكون إنسانا ؟!

كيف أكون إنسانا ؟!

السيد فاضل آل درويش

عند إثارة الحديث حول ذلك التكريم الإلهي الذي أسبغه الباري عز و جل على الإنسان ليكون في أعلى درجات الألق و الفضل و الحسن ، يقع التركيز على المصداق الأجلى و هو العقل و الذي يمثل محورية حركة الإنسان على المستوى النظري و التطبيقي السلوكي ، و بلا شك فإن المرشد و قبس النور للإنسان نحو التكامل و العلا هو العقل بما يمثله من جامع لجوانب الشخصية في جوانبها النفسي و الاجتماعي و الوجداني ( العاطفي ) ، و إلا فإن الرقي لا ينحصر في جانب واحد بل يتعدد في جميع جوانب شخصيته و مختلف الميادين التي يخوضها في الحياة ، و إن كان مرجعيتها واحدة و النظر في كل الأمور بنحو عقلائي يتبصر من خلاله المرء أي خطوة يفكر فيها و النتائج المترقبة لها ، فتكون مركزية عمله تجري بحسب الموازنة بين النقاط الإيجابية الجارية في جانب مصلحة تقدمه و بين النقاط السلبية التي تسقطه في بؤرة الخسران و الضياع ، و هكذا يتولد من خلال حركة العقل الراجح و الراشد مجموعة من الأسس و المعايير التي يستطيع من خلالها تشخيص المفاهيم و الأفكار و الظواهر سواء في الجهة الأخلاقية أو الاجتماعية أو النفسية .
و نحن نعاصر اليوم ذلك الكم الهائل من الأفكار المسمومة و الغزو الثقافي و العقائدي بكافة أشكاله ، نحتاج إلى الوعي و البصيرة لكي لا ننجر خلف الدعاوي الباطلة بلا بينة ، و هذه دعوة الإلحاد المرتكزة على إنكار أوضح الواضحات و وهو وجود الله تعالى قد اعتقد بها البعض و انساق خلف العبارات الرنانة الداعية لها ، و لو امتلك ذاك الشاب أدوات التفكير المنطقي لما انطلى عليه هذا الضلال و الانحراف ، و حتى في مثل الشبهات المروجة لها بقوة لدفع الشباب نحو الابتعاد عن الدين الحنيف و قيمه ، هناك حصون الأمة من العلماء المتقين الذين انبروا لتفنيد تلك الشبهات و ما نحتاج إلا لتفريغ بعض الأوقات للاطلاع على ما كتب و الاستماع لما قيل .
و على مستوى القيم الأسرية تجد الحملات المسعورة لمحاربتها و استبدالها بما يفكك عراها ، و يتم ذلك من خلال الحرب الناعمة المحتوية على عبارات الحرية المزيفة و التحرر من قيود الماضي ، و هذه الظواهر الأسرية السلبية التي تطفو على المشهد تعمل على تدمير السور الحصين للأبناء و الزوجين ، و نحتاج إلى تلك القيم الداعية للوئام و التفاهم بين أفراد الأسرة بعيدا عن الخصومات و تقاطع المصالح الضيقة و تجنب تقديم لغة المال في كل قضية مطروحة على مستوى علاقة الإخوان .
و البعد الاجتماعي و تكوين العلاقات الناجحة بين الأصدقاء تتعدد النظريات و التصورات لأسسها ، و بدأت الحالة المادية تطغى و تسود لتتحول الصداقة الجميلة إلى بازار الذمم الدنيئة ، و يا لسوء الحال لو غفلنا عن قيمة التعاون و الثقة بين الأصدقاء و الجيران لتكون بعيدة عن تحري المنافع الذاتية و اللهث خلفها ، و ما أجمل القيم الداعية إلى إسعاد الآخرين و مساعدتهم في الجانب المعنوي و المادي ، فيشعر المرء بهموم الغير و يسعى إلى التخفيف من وطأتها الأليمة و إدخال السرور إلى قلوب الغير ، و ما ذاك إلا للسعي نحو تحقيق الذات المكرمة بالتخلي عن الأنانية المقيتة ، و نبذ تأليه الذات و تضخمها لتتعالى كالدخان فيرى الآخرين قزماء !!
و على المستوى الأخلاقي في مواجهة طغيان النفس و انسياقها الأعمى خلف الشهوات المتفلتة و الأهواء المضللة ، نتحصن بتلك القيم الداعية إلى نزاهة النفس و طهارتها من دنس العيوب و النقائص ، فالعقل الناضج لا يمكنه أن يتقبل حالة الهبوط الأخلاقي و تعاطي المساويء و الرذائل التي تسقط المرء في أغلال العبودية للنزوات ، فالإنسان قامة عالية لا تأسره الحاجات بل يمارس حريته وفق مبدأ الضمير الإنساني اليقظ الذي لا يرضى لصاحبه السقوط في وحل العيوب .
و المنهج القرآني – عند تأمل و تدبر آياته – يرسم معالم الشخصية الإنسانية الكريمة من جميع الجوانب الإيمانية و الأخلاقية و النفسية و الاجتماعية ، و كذلك المنهج النبوي لمحمد (ص) و أهل بيته الأطهار (ع) يفسر و يبين تلك الجوانب من خلال الكنوز التي احتوتها كلماتهم النيرة ، و أما سيرتهم الغراء (ع) فهي تجسيد عملي لتلك القيم الإنسانية النبيلة بأعلى درجاتها الكمالية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open