الرئيسية / مقالات / ما خلف الصورة

ما خلف الصورة

السيد فاضل آل درويش

ورد عن أمير المؤمنين (ع) : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه )( الكافي ج ٢ ص ٣٦٢ ) .

تنقدح في الذهن صورا مسيئة للغير بسبب تفسيرنا الواهم لكلام صادر منه أو سلوك أو موقف نراه بعيون ضيقة ، و لا نتحدث عن الحكم الأخلاقي لذلك فميزان التعامل بالمثل الذي يوافق بين ما نتحدث به و نواجه به الآخرين كما يعاملوننا بالحسنى يرفض حمل صور قبيحة للغير مبنية على وهم و تخيل لا دليل عليه ، و لا نتحدث عن موازين العلاقات الاجتماعية القائمة على الاحترام و التعامل بالحسنى و عدم التعدي على حقوق الغير معنويا و لا ماديا ، فإن التصورات السيئة المبنية على الظنون تشعل نار الكراهية و الحسد و الخصومات و تمزق عرى التعاون و الثقة بين أفراد المجتمع ، و إنما أثر هذه الظنون السيئة علينا نفسيا و أخلاقيا و دورها في تدمير النزعة الإيمانية و الروحية و اليقظة الفكرية التي نتمتع بها ، فالفكر إذا انساق نحو تصور ما تحمله كلمات و سلوكيات الآخرين و تحميلها تفسيرات تخمينية و تهيؤ ، سيكون له الشغل الشاغل استحضارها مما يؤدي إلى فتور همته عن العمل الصالح و أداء العبادات و يميل إلى شيطنة الكثير من الناس ، حيث أن اتباع الشيطان الرجيم و النفس الأمارة بالسوء في سوء الظن بالغير يقدح شرارة ازدراء الغير و اتهامه النفسي بالباطل ، مما يولد حالة من اسوداد القلب و استيلاء العبثيات التفكيرية على المرء حتى يغدو معملا لتكرير الظنون و التهم .

من العوامل المؤججة للظنون السيئة عند الإنسان هي حالة الحساسية الزائدة تجاه ما نسمعه أو يتعامل به الغير معنا ، حيث أن الفرد المرهف عاطفيا بنحو مفرط يشعر بأن كل كلمة تحمل نقدا هي موجهة إليه و هو المقصود بها و إن كان الكلام بنحو عمومي ، و كذلك الحديث عن السلوكيات و الظواهر السلبية بشعر بأنه سهام تصوب نحوه ، كما أنه يحمل أي تصرف معه على نحو الإساءة التعمدية و قصد تجاهله إن لم يتفاعل الغير مع كلامه أو تحيته مثلا ، مما يخلق عند المرء حدة في التعامل و اتخاذ القرارات المتسرعة تجاهه و التي تصل إلى حد النقاشات الانفعالية و الخصومة معه ، و هذا ما نشهده اليوم – و للأسف – على ساحة النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي ، حيث يكون النقاش حول فكرة معينة و تطرح الآراء و وجهات النظر المختلفة بأسلوب علمي و منطقي ، و إذا بدفة الحوار تتحول إلى شخصنة الموضوع و توجيه النقد اللاذع لصاحب الفكرة لا للفكرة ذاتها .

أحد العوامل المؤدية لذلك هو الحساسية المفرطة إذ يشعر أن الحديث حول الخلاف الزوجي أو الحرمان من الذرية أو قلة المورد المالي أو غيرها إنما هو هجوم غير مباشر عليه ، و هذه المشكلة إن لم يلتفت لها الفرد و يحاول معالجتها فستتحول إلى نقطة ضعف في علاقاته الاجتماعية ، و المعالجة تبدأ من الثقة بالنفس و حسن الظن بالغير و ترك التأويلات البعيدة و تضخيم كل موقف بما لا يتحمله ، كما أن الإساءة و إن قصدها أحد من الناس فلا يبددها إلا عدم إعارتها أي أهمية ، و إلا فإنه سيكون سهل المنال لمن يحاول استفزازه و إخراجه عن اتزانه الفكري و الوجداني و النفسي .

و كم من المشاكل الأسرية و الاجتماعية انقدحت شرارتها بفعل واهم اتبع ظنونه السيئة و خيالاته المريضة ، فأعطى موضوعا معينا مسار الخلاف و المشاحنة حتى استقرت في النفوس المعينة بالأمر الكراهية و الخصومة ، حتى أننا نرى بعض الخلافات قد تطاولت سيقانها و امتدت فروعها و كبر حجمها بما أفقد الأمل عند الكثير من اقتلاع جذور الأحقاد ، و كانت البداية تأويلات لا أساس لها و لم يكن هناك من عقلاء انبروا لاحتواء الموقف و تهدئة النفوس و تبديد غمامة الدخان .

حسن الظن و حمل الكلمة و الموقف على ظاهره دون اللجوء للبحث عما يقع خلف تلك الصورة هو أساس السعادة و الهدوء النفسي للفرد ، بما يجنب المجتمع القلاقل و الخلافات الناشئة من الأوهام التي حاكت حدثا وفق تصوره الخاص غير المبني على أسس عقلائية ، كما أن الأسر اليوم تأن من الخلافات المبنية على الظنون السيئة بين الزوج و زوجته أو بين الأرحام ، حين يحول المرء تخيلاته و تفسيراته الخاصة الوهمية لموقف إلى حقيقة يبني عليها الجميع اختياره و قراره .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open