الرئيسية / مقالات / قبس نوراني من سيرة الإمام الجواد (ع)

قبس نوراني من سيرة الإمام الجواد (ع)

السيد فاضل آل درويش

لقد حازت شخصية الإمام محمد الجواد (ع) مكانتها العالية بين جميع من جالسه و سمع حديثه و اطلع على ما يملكه (ع) من معارف و قيم تذكر بمسيرة آبائه الطاهرين ، و ما أثير من فكرة استصغار الإمام و قد استلم مهام الإمامة في مرحلة الطفولة و عدم أهليته لهذه المسئولية الجسيمة لم يكتب له النجاح ، و المراد من هذا الطرح هو زعزعة المكانة للإمام و طرح مسألة الثقة بشخصيته و مدى اطلاعه على العلوم فضلا عن تسنمه مقاما رفيعا كالإمامة ، و لكن سيرة الإمام (ع) و الأجوبة التي أدلى بها على محتلف المسائل الفقهية و العقائدية و القرآنية أظهرت أن له علما خاصا لا يمكن تحصيله بالتعلم و اكتساب المعارف ، بل هو علم لدني يحظى بالتأييد و التسديد الإلهي كما كان عليه علم جده المصطفى (ص) ، و كل المحاولات لطرح مسألة يحار الإمام (ع) في جوابها فيتفرق محبوه و المعتقدون بإمامته من حوله قد باءت بالفشل و ما كتب لها إلا التبدد و التلاشي ، بل و تعززت مكانة الإمام (ع) و تشكلت فكرة و عقيدة حول الإمام و ما يحمله من علم لا يقف عن حد معين ، فهو مرجعية علمية و قيمية لا تضاهى و لا يمكن الاستغناء عنه (ع) ، و أما فكرة أنه عالم كبقية العلماء في معارفهم الكثيرة و ورود الجهل بمسألة من هنا أو هناك عليهم قد تبخرت ، و ظهر بشكل عملي أنه من صنف آخر تؤهله – مع صغر سنه – للإمامة و التبليغ الرسالي و رعاية الأمة في تكوين مخزونها المعرفي و الفكري ، كما أظهرت سيرته العملية و السلوكية أنه تجسيد للأخلاق الرفيعة كآبائه الطاهرين ، و خير من يقتدي به المؤمنون و يأخذون منه معالم دينهم و أحكامهم الشرعية .

و لم يكن الإمام الجواد (ع) بمنأى عن أمة جده (ص) و ما عاش عزلة ينفصل فيها البعض ممن يفهم الدين و التدين بنحو خاطيء ( الرهبان و النساك ) ، بل كان فكره و شعوره و عطاؤه في حالة التصاق و تفاعل مع مختلف حاجات الناس و العمل على قضائها ، فعلى المستوى العقائدي و الفكري طرحت الكثير من الإشكالات و الشبهات التي تحير عقول ضعاف الناس و تخلق بلبلة بين أوساط الناس ، فتصدى الإمام (ع) على نقضها و حلها و طرح الأجوبة المقنعة عليها ، مما قوى الحالة الإيمانية و البصيرة عند المؤمنين ، و هذا الدور التبليغي بدد ظلمات الجهل و الانحراف و أخذ بأيدي الناس نحو طريق الحق و الفضيلة ، و هذه كلماته النيرة و كنوز الحكمة الصادرة عنه خير شاهد على ما يمتلكه الإمام (ع) من علم غزير ، كما أنها تشكل ومضات وحي و أنوار تسلط الضوء على الواقع و ما يحمله من تحديات و مشاكل و كيفية التعاطي معها ، و حري بنا أن نعطي أنفسنا دفعة تنوير من خلال الاطلاع على تراث الإمام الجواد (ع) و ما يحمله من معارف و مضامين و قيم تشكل جوانب القوة و الرفعة في الشخصية الإنسانية ، بما يتناسب و تطلعات كل فرد يسعى نحو الرقي و التكامل و تجنب حفر الشبهات و السلوكيات غير المقبولة و العيوب و الرذائل الأخلاقية .

و عطاء الإمام الإمام الجواد (ع) كان مزهرا على مستوى كل الأصعدة الحياتية ، فقد كانت سيرته مصدر إلهام و اقتداء بما حمله من قيم أخلاقية بشكل عملي ، فقد عايش (ع) الناس نجما مضيئا في سماء الفضيلة ، و لا يخفى أهمية و تأثير الشخصية الرسالية بما تحمله من هالة أخلاقية نورانية على تشكيل و صنع الشخصيات الإيمانية ، فما أثر عنه تقصير و لا خطأ أو تعامل قاس مع أحد ، بل كان كجده المصطفى (ص) في حلمه و صدقه و نقاء سريرته .

و لقد كانت عيشة الإمام الجواد (ع) بسيطة و بعيدة عن كل مظاهر التزين و التفاخر بزخارف الدنيا ، فزهد الإمام (ع) تأكيد على صدقية شخصيته و توافق كلامه و فعله ، و ارتبط هذا الزهد بانفتاح واسع على العطاء و الإنفاق المادي على المحتاجين ، و قد عرف (ع) بلقب الجواد لكثرة عطائه فقد كان يسأل عن أحوال الآخرين و يقدم لهم المساعدة دون أن يلجأوا إليه ، و هذا يعد قمة الكرم بسبق سؤال الفقير ، و هذا لا يعني – بالطبع – أنه كان أكثر إنفاقا من بقية الأئمة (ع) بل كلهم جواد و كاظم و صادق (ع) ، و إنما الظروف المحيطة بالناس في عهده كانت صعبة و الفقر متفش بين الناس ، فكان (ع) يبذل جهدا كبيرا لبلسمة آلام الناس و التخفيف عنهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open