الرئيسية / مقالات / النهضة الحسينية ثقافة و سلوك

النهضة الحسينية ثقافة و سلوك

السيد فاضل آل درويش

هل التأمل المعرفي لواقعة الطف و الأهداف العاشورائية يختزل في تفاصيل و مسار الواقعة و البواعث المحركة للموقف الحسيني الباسل ، أم أن عاشوراء ثقافة و منهج ينعكس ظلالها على واقعنا في جميع الاتجاهات و الأصعدة ، بحيث يكون موضع تأس و اقتداء و تطبيق على أرض الواقع ليتحقق مفهوم السير على النهج الحسيني ، و بخلاف ذلك يكون فهمنا قاصرا و مجانبا لما أراده السبط الشهيد من تشييد ثقافة الحقوق و العدالة و الإرادة في مواجهة الواقع المغلوط ؟
لكل أولئك المتسائلين عن جدوى إحياء واقعة الطف المتجددة في تغيير واقعنا ، و الذين يطرحون بأن الإحياء يقتصر على جانب المواساة للرسول الأعظم و أهل بيته بما جرى من جرم عظيم على الإمام الحسين (ع) ، فنجيبهم بأن واقعة الطف ثقافة و منهج و مصباح هدى و ومض فكري و سلوكي يحيي روح الفضيلة و مكارم الأخلاق للفرد و يأخذ بيده للتكامل الروحي و النفسي ، فكربلاء نبع ينساب في مجراها المعين فيستقي من عذبها كل واحد بقدر انسجامه و تشرب نفسه للأهداف الحسينية و ما تحمله من قيم .
فالمنبر الحسيني اليوم يمثل مدرسة جامعة باسم الحسين الشهيد (ع) يبث من خلالها دروس التوعية ، و تهدف لتنضيج الفكر و السلوك وصولا لحالة الرشد في العقل و الاستقامة في التعاملات و العلاقات ، و هذا ما يستوجب النظر للقضية الحسينية بقدر ما تحمله من مضامين عالية تتطلب الاستعداد و التهيؤ لحلول عاشوراء ، فالمحطة العاشورائية اختبار و تمحيص ينتهي موسمها الزمني – لا الفعلي فهي خالدة – لينقسم المحيون لهذه المناسبة الأليمة بين فائز قد ربح الثواب العظيم لسعيه المخلص ، و بين محي لها و لكنه خالي الوفاض من منهجها الفكري و السلوكي ، فما استفاد من الدروس القرآنية و العقائدية و الاجتماعية و الثقافية التي ألقيت من خلال تلك المنابر الفاعلة ، و هناك من نأى بنفسه عن سفينة الحسين (ع) طالبا النجاة في معترك الحياة و أمواجها المتلاطمة من الحياة المادية أو اللهوية و الاقتصار عليها .
النهضة الحسينية ثقافة و سلوك يتلقاها المؤمنون لتنير لهم دروب الحياة و تنبههم للمخاطر الناجمة من اتباع النفس الأمارة بالسوء و الشهوات ، كما تولد و تقوي البصيرة و الفهم للواقع و الأحداث و تجنبنا المسير الأعمى المهلك ، فمن نظر في الخطابات الحسينية منذ خروج الإمام الحسين من مدينة جده المصطفى (ص) و ما بعدها ، يجد توصيفا و تحليلا دقيقا لواقع الناس و ما هو المأمول منهم في مسار التوافق أو الامتناع و التخاذل عن الأهداف الحسينية ، و هو بحث مهم في فهم النفس البشرية و مساربها و عوامل تقواها و شقاها ؛ ليجد بعدها المرء نفسه من حركة الإصلاح المهدوي فيكون من عناصر النصرة و التأييد ، أم أنه سيكون بعيدا – كل البعد – عنها بسبب انغماسه في الشهوات و حب الدنيا ، مما أثر على فكره فأصبغه التبلد و السطحية .
الإمام الحسين (ع) حركته حملت أبعادا مشرقة في المسيرة الإنسانية الغراء ، و منها بعد تهذيب النفس لتشرق منها المواقف المؤيدة للحق و الفضيلة و إلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه ، فلا يمكن المطالبة بالإصلاح المجتمعي و نحن نعيش فسادا و انحرافا ذاتيا .
الإمام الحسين (ع) حمل لواء العدالة و احترام النفس الإنسانية دون أدنى تجاوز عليها ماديا أو معنويا ، و ممانعة الظلم تعني ثقافة احترام الآخر أسريا و مجتمعيا ، مما يعزز مفهوم السلم و التعايش و التسامح و احترام الفروق الفردية و التفاوتات بين الأشخاص بعيدا عن التزمت و المناكفات ، فالنهضة الحسينية تنوير فكري و اتزان سلوكي ينشأ عليه الشباب و الفتيات و يتجلى في حديثهم و تصرفاتهم ، فالإمام الحسين (ع) قدم نفسه قربانا إلهيا و كان صوته المجلجل صرخة مدوية في وجه الانغلاق الفكري و دس الرأس في رمال الجهالة ، و رسالة أخلاقية تصنع أجيالا تتحمل مسئولية رفع الراية الثقافية والمعرفية و الاجتماعية في وجه أي تجاوز و ظلم يقع بين أفراد المجتمع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open