الرئيسية / مقالات / الحسين (ع) في واقعنا

الحسين (ع) في واقعنا

السيد فاضل آل درويش

العنوان العريض للأهداف الحسينية في نهضته المباركة هو تغيير الواقع السيء و انتشال الناس من وحل الأسر للشهوات و الارتهان للأهواء ، و وقوعنا على تفاصيل تلك الآفات الأخلاقية التي أوهنت نفوسهم في ذلك الزمن لا يجعلنا في واقع منفصل عن رحم التغيير التي عمل من أجلها الحسين (ع) ، إذ الفكرة العامة لتلك الحركة هو النظر في الواقع الفردي و المجتمعي و تفحص الحال و البحث عن الأمراض و الظواهر السلبية و العمل من أجل اكتشافها و معالجتها ، و بذلك يتحقق هدف الإصلاح و السير على النهج الحسيني لتهذيب النفوس و ترشيد المجتمعات ، و إلا فإن فهمنا سيكون قاصرا عن استيعاب تلك الحركة الإصلاحية فنعمل على تحجيمها في بعد زمني ضيق ، بينما رسالات المصلحين عموما تستوعب كل زمان و مكان بعد حذف تفاصيلها الدقيقة و العمل على التركيز على الأهداف و الغايات المستخلصة منها ، و لذا نجد في مقولة ( كل يوم عاشوراء و كل أرض كربلاء ) مصداقا و توضيحا لفكرة الانسيابية للإصلاح الحسيني و استيعابه لكل الآفات التي تضرب النفوس مع تنوعها و تعددها .
فالإصلاح الحسيني يقوم على إحياء النفوس التي تعاني من فيروسات الرذيلة و الفساد التي تنهشها ، فيمارس المصلحون من أصحاب الهمم العالية دورهم الريادي بالدعوة إلى مكارم الأخلاق و التحذير من مخاطر المعاصي المفضية إلى سخط الله تعالى و حلول نقمته ، و بلا شك فإن عملية الإصلاح و تهذيب النفوس ليست بالعمل السهل الذي لا يكتنفه الصعوبات و العثرات ، بل و هناك العراقيل التي يصطنعها أصحاب المصالح و المرجفون و المخادعون ، فتحتاج في معالجتها و تجاوزها إلى بصيرة و وعي و إدراك بما يحيط بالفرد و المجتمع من أحداث و ظروف ، و شجاعة الموقف تتطلب تحمل المسئولية و إدارة المشهد بكل حنكة و صبر و نفس طويل للانتقال من مرحلة إلى أخرى ، فمن الدروس المهمة في نهضة الإمام الحسين (ع) هو التعلق بالأمل بالله عز و جل و العمل الدؤوب دون استنزاف الطاقة الروحية و النفسية و الوصول إلى محطة التهلكة النهائية و هي خوار القوى و استشراء اليأس ، فالكل يمر بمشاكل و أزمات متعددة في حياته و هو ما يمثل سنة إلهية في حياتنا ( سنة الابتلاء ) ، و التعامل معها هو ما تهفو النفوس لمعرفة مفاتيحه للتخلص من تلك المتاعب و الشقاء المضني ، فكثير من الأمراض النفسية اليوم ترجع إلى عوامل متعددة ، و منها : حالة الإحباط و فقدان الثقة بالنفس بسبب مواجهة أزمة عاطفية أو إخفاق في الدراسة أو العمل أو خلافات تعصف بالعلاقة بين الزوجين ، و بالرجوع للموقف الحسيني الباسل نتعلم الاقتدار و مواجهة التحديات و الظروف القاسية و العمل على معالجة ما نمر به من مشكلة ، و ما أجمله من درس نضمنه في منهجنا التربوي لأطفالنا و تعليمهم تحمل مسئولية أخطائهم و أوجه تقصيرهم ، فالحياة ميدان كفاح و سعي دؤوب و إرادة بعد أي سقوط للنهوض مجددا و معاودة العمل بعد الاستفادة من أخطاء الماضي .
الإصلاح الحسيني في كل عصر يقوم على أساس الثقة بالنفس و معرفة ما يحمله الفرد من قدرات و إمكانيات و العمل على تنميتها من خلال الدورات التدريبية ، ففي كل زمن له متطلباته الرسالية و أدواته و آلياته المفضية إلى النجاح ، فالواقع المأزوم المثقل بمختلف المخالفات الممزقة للقيم الإنسانية يمكن التعامل معه بطريقة منطقية ، فعندما تعلو النبرة المادية و تطغى النفوس فتعمل على تحقيق المصالح الضيقة مع تبلد المشاعر الوجدانية تجاه الآخرين تحتاج إلى ما يصلحها و يعيد شحنها الروحي و التربوي ، فالعودة إلى بوتقة تهذيب النفوس و محاربة النقائص و العيوب تتطلب فهما و عملا للتخلص من ذلك الصدأ .
و نتعلم من الإمام العظيم الذي واجه كل تلك المواقف الصعبة و المصائب التي تهد الجبال بكل بسالة و هدوء نفس و صبر لا نظير له ، إذ لو سلطت الأقلام المنصفة على واقعة الطف و مواقف الإمام الحسين (ع) و ما كان عليه من رباطة جأش و ثبات و بسالة و هدوء نفس في موقف صعب جدا لأبرزت عظمته ، إذ ما خرج لسانه عن الصواب و المنطقية و لا مواقفه عن الرجاحة و الحنكة و الالتزام بالقيم التي نادى بها ، و لكانت الإنسانية تنعم بمثال يحتذى به عبر الأجيال لإشعال روح الاستقامة و الوعي فيهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open