الرئيسية / Uncategorized / نسائم العشق الحسيني

نسائم العشق الحسيني

السيد فاضل آل درويش

التهيؤ النفسي و الفكري لأي محطة قادمة في حياتنا يعد أمرا مهما لتحصيل النتائج المتوخاة و المناسبة و المقبولة ، و هذا التخطيط و الاستعداد يعد سمة من سمات الشخص الناجح و المكافح الحريص على وقته لئلا يضيع سدى ، فهناك فئة من الناس يغيب عنها تنظيم الوقت و التخطيط لأهداف تكاملية يسعى لاكتسابها ، فيحيا حياة خاوية و عبثية لا يهتم فيها لكثيرا من مجريات أمور حياته و ما تؤول إليه ، و حتى في لحظات مرور الفرص مرور الكرام و إخفاقه في نيل المأمول تراه غير مستعد لإعادة ترتيب أوراقه و جدولة خطاه من جديد و محاسبة نفسيه تلافيا للوقوع في الأخطاء الماضية ، فهل مناسبة عاشوراء تخضع لنظام التهيئة و الاستعداد لها روحيا و فكريا ؟
عاشوراء محطة حصاد و جناية المكتسبات و صلة عبادية تتطلب الإخلاص و التقوى ، و الجانب الولائي المتمثل بمواساة المصطفى (ص) و عترته الطاهرة و التفاعل الوجداني مع المصيبة الفادحة ، يتطلب حضورا ذهنيا و تفاعلا عاطفيا صادقا مع تفاصيل تلك الجريمة النكراء .
كما أن المنبر الحسيني يفعل و ينشط الجانب العاطفي ( العبرة ) امتثالا للتوجيهات النبوية ، فكذلك يقدم المنبر الواعي مجموعة من المعارف و المحاور الدينية و الثقافية و الاجتماعية بما يشكل انفتاحا على المعارف في مختلف الحقول العلمية المرتبطة بتوجيه و تربية النفس و تشجيعها على التحلي بالفضيلة ، و تأملا في الآيات القرآنية و السنة المطهرة و ما تحمله من معان سامية تحدث تغيرا إيجابيا ، فنحن اليوم أمام جيل متعلم يجلس بين يدي المنبر الحسيني و شغوف بالاطلاع على المعارف الحقة ، و هذا يستوجب تحضيرا جيدا من الخطيب ليكون الطرح في مستواهم و يقدم لهم زادا يفتح عقولهم على مفاتيح الحياة و فهم الواقع و المستقبل ، و لذا فإن إحياء عاشوراء مصدر عزة و اقتدار و تكامل و بناء تربوي يشع بأنواره التنموية على أفراد المجتمع ، و لا يتحقق ذلك إلا من خلال معرفة مقام هذه التحفة الإلهية و المكتسبات الممكن تحقيقها .
الإصلاح الحسيني للمجتمع و إرساء قواعد العدالة الاجتماعية يبدأ من تربية الفرد و إصلاح نفسه من خلال التحرر و الانعتاق من أغلال النفس الأمارة بالسوء و الداعية للأنانية و الغرور بملذات الدنيا ، فتلك الثلة المؤمنة من أنصار الإمام الحسين (ع) بما تحمله من نفحة إيمانية و عقدات عزم قوية و روح صلبة كالحديد كان هو المؤهل لها لنيل هذه المرتبة العظيمة و أوسمة الشهادة ، في ظروف حالكة لا نظير لها من قلة الأنصار و تخاذل الناس و اصطفاف الرايات و تحشيدها ضد السبط الشهيد و القيم التي ينادي بها و يدعو لها .
فالتهيؤ و الاستعداد لنسائم العشق الحسيني تعني حضورا للفكر الواعي المتخلص من الانشغال بحطام الدنيا الزائل ، فينفتح بنضج و فهم للتحليل المنطقي و الواقعي لفاجعة الطف و ما تحمله من دلالات و تأثيرات ، و ما يحيط بها من دروس نستلهمها من عاشوراء و نعمل على ربطها بواقعنا و علاقاتنا الأسرية و الاجتماعية و مستقبلنا و فهم ما يحيط بنا من أحداث و منعطفات تاريخية .
الجانب الوجداني و التفاعل العاطفي مع فاجعة الطف و ما جرى على السبط الشهيد و أهل بيته من مصائب و جرائم يندى لها جبين الإنسانية ، ينبغي الاستعداد له من جميع الأطراف المتمثلة بالقصائد المؤثرة من الشعراء و الأداء الحزين من الخطيب و الإرهاف السمعي من قبل المستمعين ؛ لتكتمل تلك الصورة المأساوية في مشهد رهيب يؤشر إلى روح الولاء و العاطفة الصادقة و التفاعل النشط مع واقعة الطف .
و التفاعل مع النهضة الحسينية لا يقتصر على الجانب الفكري و العاطفي ، بل يتعداه إلى فهم تلك الأهداف التي دعا لها السبط الشهيد ، كما أن عوامل التخاذل أو النصرة تلقى اهتماما واسعا في البحث عنها ، و تطبيق الأهداف الحسينية على الفرد و المجتمع في كل زمان و مكان يعني فهما و وعيا بالأهداف الإصلاحية التي تحرك الإمام الحسين من أجل إرسائها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open